غراب فوق ياسمينة
قبّلني ثم تمدّد بجانبي وأمسك بيدي، فرغنا من ممارسة الحب وبقينا ممدّدين ننظر إلى السقف، لا يزال قلبي يكاد يخترق صدري ويغادره وكأنها المرة الأولى. سألني بلا تمهيد: "هل نحن عائلة؟" كان سؤالاً مباغتاً بعد سبع سنوات من الزواج.
في زاوية السقف بقعة صفراء خلّفها تسرب ماء من شقة الجيران منذ سنوات، كلما رأيناها قلنا سنطليها غداً، ودائماً ما يأتي الغد ولا نفعل، حتى صارت تشبه خريطة لبلد لا يعرفه أحد، ولا يطالب به أحد. المكيّف يطنّ كحشرة علقت في الصيف ولا تعرف طريق الخروج، عرقنا يبرد ببطء، والشرشف ملتفّ كأنه انسحب من المعركة قبلنا، يوشك أن يسقط لولا تشابك أرجلنا وانحشاره بينها. في المساحة الضيقة بين صدرينا حارت الإجابة على سؤاله، بحثت عنها ولم أجدها.
ظلّ إبهامه يتحرك على مفاصل أصابعي ذهاباً وإياباً، كمن يعدّ شيئاً ولا يريد أن يخطئ في العدد. قلت: "لماذا تسأل؟" فقال: "لا أعرف.. سؤال خطر على بالي الآن".
لا شيء يجري على لسانه بلا تفكير، ولا شيء يخرج منه فجأة، أعرفه كما أعرف أثر الحرق القديم على خاصرتي. تمكث الأفكار في صدره طويلاً كحصاة في قاع فلج، يمر عليها الماء ولا يحركها، يقلبها بالصمت وتقلبه بالاستغراق، ثم تخرج الكلمات في أسوأ لحظة ممكنة، أو في أصدقها. ما عليه أن يقوله سيقوله، وهذا مما حببني فيه، حين يتكلم أخيراً يخرج كلامه صافياً كماء العين حين يخرج من جوف الأرض إلى الضوء. وهل هناك لحظة أصدق من هذه؟ جسدان عاريان، وأنفاس لم تهدأ بعد، ولا شيء بيننا يمكن أن نختبئ خلفه.
العائلة عندنا ليست اثنين في سرير، العائلة اسم ينادى به في العزاء، وسبلة تفتح صباح العيد، وصحن عرسية تتزاحم عليه أيادٍ كثيرة، العائلة عمّة تسأل لماذا تأخّر الحمل، وخال يتوسّط حين تقع المشكلة، وجدّة تحفظ الأنساب كما تحفظ قصار السور. العائلة، في آخر الأمر، شهود، ونحن تزوّجنا بشاهدين اثنين، وقاضٍ لم ينظر إليّ ولم أنظر إليه.
"هل نحن عائلة؟" سأل مرة أخرى. أدرت رأسي نحوه، لم يكن ينظر إليّ، كان ينظر إلى البقعة في السقف، كأنه لم يسألني أنا، بل سأل السقف، وينتظر منه أن يجيب.
التقيته في السنة الثالثة من الكلية، في تلك المواد التي لا يتذكرها أحد بعد نهاية الفصل، المواد التي تجتهد فيها لتبقى على الجانب الآمن من حافة الحرمان لا لترفع معدلك. كنا طلاباً من كليات متعددة، وجوهاً جديدة لا يعرف بعضها بعضاً، وكان هو ذلك الطالب الذي يجلس في الصف الأخير ويغادر على عجل بمجرد أن يعلن المحاضر نهاية المحاضرة، فلا يبقى منه في القاعة إلا كرسيه الفارغ. كان لا أحد بالنسبة لي، ليس فيه ما يلفت النظر.
بدأ كل شيء حين نسيت قرص التخزين الخاص بي في قاعة المحاضرة، فأرسل لي بريداً إلكترونياً يخبرني أنه وجده وسيسلّمه لي. تبادلنا أرقام الهواتف بعد أيام من التراسل المستمر، ثم صرنا نتبادل الهدايا خلسة، كان يتركها لي في كل مكان في الجامعة: تحت شجيرة عشوائية في الممر، وبين رفوف المكتبة، وعلى إطار سيارتي. وحين سنحت الفرصة قبّلني ولم أرفض، ثم تبادلنا القبل بعدها مرات كثيرة، في السيارة وفي الممرات الخالية، ولم نتجاوز القبل قط؛ سحبتُ يديه من التوغل ولم يقاوم رفضي.
الليلة التي سبقت التخرّج اجتمعنا في شقة صديقنا في الغبرة، كان قد تخرّج قبلنا بسنتين، وكانت شقته الصغيرة مأوى لشلتنا لنكون على حقيقتنا لبضع ساعات بعيداً عن التوقعات. أكلنا بيتزا باردة وشربنا بيرة، ثم رقصنا على أغانٍ هابطة تشغل عادة في الأعراس، وحين خارت قوانا شغّلنا أغاني قديمة لفيروز، وتحدّثنا عن الوظائف والابتعاث والزواج كأنها أشياء ستحدث لغيرنا. في الحادية عشرة ليلاً رمى صديقنا المفتاح على الطاولة وقال إنه سينام في بيت أهله تلك الليلة، وغادر البقية بعده تباعاً، وبقينا بمفردنا. كنت قد قلت لأمي إنني سأبيت عند صديقتي، عباءتي معلّقة على ظهر الكرسي، وشيلتي سقطت على الأرض ولم أرفعها.
لم يكن الأمر جميلاً كما في الأفلام، كان مرتبكاً وفيه شيء يشبه الغضب أيضاً، كأننا نسابق أحداً إلى شيء نخاف أن يؤخذ منّا قبل الصباح. لكنني أذكر يده على ظهري ترتجف أكثر مما يرتجف جسدي، وأذكر أنني فكّرت في أن هذا الرجل خائف عليّ أكثر مني. أذكر حرارة جسده حين عبرت إلى روحي لحظة التصق صدره بصدري، كان ألماً لذيذاً يتصاعد ثم انهياراً مريحاً.
في الصباح لبست روب التخرج فوق جسد لم يعد كما كان، كنت أشعر أنني أنثى متوجة، مشيت على المسرح وأنا أحمل ليلة البارحة في جلدي الذي لا تزال تفوح منه رائحته التي أحبها. كان أبي في الصفوف الأمامية يصفّق بيدين بيضاوين سمينتين، وبجانبه أخي يصوّر، وفي آخر القاعة كانت أمه تجلس بلحافها الأسود، صغيرة ومستقيمة الظهر، كأنها تخاف أن يطلب منها أحد أن تقوم من مكانها. نظرت إلى الصفّين، ثم نزلت الدرج. كانت تلك آخر مرة يصفّق فيها أبي لي.
بعد سنة من التخرّج جاء مع أبيه إلى بيتنا في البلد، كنت خلف الباب مع أمي، أسمع ولا أرى. في بلدنا لا يقول لك أحد "لا" في وجهك، هناك طرق لقولها دون أن تُقال، تقولها دلّة القهوة حين تتوقف بعد الفنجان الأول، ولا يسألك أحد إن كنت تريد المزيد. سأل عمّي سؤالاً يعرف جوابه: "أنت ابن من؟"، وقال أبي بعد وقت يسير من حضورهم: "يكتب الله الذي فيه الخير"، ثم سكت حتى ودّعهم وأغلق خلفهم باباً لا تفتحه المفاتيح.
في الليل دخل أخي غرفتي دون أن يطرق الباب، ووقف عند رأسي وقال: "عبد؟ نيتك تفضحينا؟" لم يصرخ ولم يرفع صوته. ليته صرخ؛ الصراخ يُنسى، أما الهمس فيبقى عالقاً في الأذن كالرمل. بكت أمي في كل مرة كلّمتني فيها ذلك الأسبوع، كانت تكلّمني ونظرها على أصابعها المتشابكة فوق حجرها، ولا تنظر إليّ.
أما هو، فقد كرّر أبوه طوال طريق العودة جملة واحدة كالذِّكر: "ارتحت من صغرتنا؟"، وحين عرفت أمه أننا لن نتراجع قالت له: "انت غراب فوق ياسمينة"، ثم أضافت: "بنت الشيخ ستعيّرك عند أول خصام بسواد وجه أمك وأبيك". لم يخبرني بذلك إلا بعد سنوات، وهو يضحك ضحكة لا تشبه الضحك.
عائلتان قالتا "لا" بلغتين مختلفتين: عائلتي قالتها بالكبرياء، وعائلته قالتها بالخوف. واكتشفت مع الوقت أن الكبرياء والخوف يتشابهان كثيراً حين تقف أمامهما وحدك؛ كلاهما جدار، وكلاهما لا يسمع.
رفعت الدعوى في المحكمة. تحدّث القاضي عن الأصل والسمعة والسنّة في تكافؤ النسب، وكان واضحاً أن كل من في تلك القاعة - حتى الجمادات - يرفض أن نتزوج. في النهاية زوّجني القاضي، وأنا أعلم أنه سيتصل بأبي ليعتذر عن هذا الجرم. قال كلاماً طويلاً عن الدين والخُلق لم أسمع منه شيئاً، كنت أنظر إلى أصابعي المتشابكة فوق حجري، ولم أنظر إليه مطلقاً.
شهد على العقد اثنان: زميل له من العمل، وصديقنا صاحب شقة الغبرة، الشاهد على أول ليلة لنا قبل سنتين. حين خرجنا من المحكمة ضحك وقال: "يكفي هذا، لا تجعلاني شاهداً على الطلاق أيضاً". ضحكنا، ثم سكتنا جميعاً في اللحظة نفسها، وقفنا لنستوعب ما حدث، وكيف من تلك اللحظة تغير كل شيء.
لم يكن هناك عرس، ولا ليلة حنّاء، ولا زفّة. تعشّينا في مطعمنا المفضّل في القرم، وعدنا إلى شقة استأجرناها قبل فترة بسيطة في مسقط هيلز، بين جيران لا يعرفون أسماءنا ولا يسألون عنها، وكان ذلك أول ما أحببته فيها. بعد أسبوع أرسلت لي أمي، عن طريق خالتي التي تقاربني في العمر، قلادة ذهب ملفوفة في منديل. كانت تلك هدية عرسي الوحيدة من عائلتي.
مضت سبع سنوات ولم نكفّ عن التبرير. نبرّر للناس أولاً؛ في البنك تسألني زميلاتي: "من أين زوجكِ؟" فأقول اسم الولاية، ثم أضيف بسرعة، في النفَس نفسه، أنه مهندس، وأنه أنهى الماجستير، وأنه ترقّى السنة الماضية وأصبح مديراً في PDO. كنت أقدّم سيرته الذاتية بدل اسمه، كأن اسمه لا يكفي ولا بد أن يُبرَّر ليرتبط باسمي. أكره نفسي في كل مرة، ثم أعيدها في المرة التالية.
ونبرّر ثانياً للعائلة التي بقيت لنا؛ في العيد نزور أهله، فتستقبلني أمه بالترحيب نفسه كل مرة: "أهلاً ببنت الشيخ". لم تنادني باسمي مرة واحدة في سبع سنوات، ولم تكِد لي كما تكيد الحموات لزوجات أبنائهن، وكما تفعل هي نفسها مع زوجات أبنائها الآخرين، كانت تتجنّبني فقط. حين أقوم لأساعد في المطبخ تقول: "لا، لا.. اجلسي، أنتِ ضيفتنا"؛ ضيافة وإقصاء في جملة واحدة، وأنا أبتسم وأجلس.
حين تزوّج أخي لم يدعني أحد. شاهدت الزفّة في الثانية فجراً في مقاطع سناب شات نشرتها خالتي، أعدتها كلها، أبي في الرزحة يرفع سيفه ويبتسم كما لم أره يبتسم منذ سنوات. وجدني في الصالة والهاتف يضيء وجهي في العتمة، لم يقل شيئاً، تمدّد بجانبي وأوسدني ذراعه ومسح على رأسي بالأخرى. في اليوم التالي أخذني إلى الجبل الأخضر، اشترى لي ماء الورد، ولقّمني حبات الرمان ونحن نجلس على حافة هوّة نشاهد منها غروب شمس يوم كأنه نهاية العالم. كان لطيفاً لدرجة موجعة، كأنه يعوّضني عن شيء لم يأخذه مني.
أما التبرير الثالث فهو الموجع حقاً: تبريرنا لبعضنا. لا أحد منا قال ذلك صراحة، لكن السؤال كان يجلس معنا في الغرفة في كل خلاف، كضيف ثقيل لا يعرف متى ينصرف: ماذا لو كانوا على حق؟ كل شجار صغير على الغسيل أو الفاتورة أو تأخّره في العودة كان يتحوّل في داخلي إلى تصويت على هذا السؤال، وكنت أعرف أنه هو أيضاً يعدّ الأصوات. قال لي مرة بعد مصالحة: "انت ياسمينة"، وأضاف بعد أن ضحكنا: "أشعر أن عليّ أن أستحقكِ كل يوم من جديد". قالها كأنها غزل، وسمعتها كأنها تأشيرة إقامة يجب أن تجدد قبل أن تنتهي؛ الأصل في الغريب أن يرحل مهما طال مكوثه.
الجسد هو المكان الوحيد الذي لا نحتاج فيه إلى تبرير، أو هكذا ظننت. نتعرّى فتسقط الأسماء، لا قبيلة على حرارة الجسد، ولا نسب في العرق. كنا نشتهي بعضنا بشراهة لا تهدأ: في الصباح قبل العمل وأنا أحاول ألا يسيل كحلي، وفي ظهيرة الجمعة والستائر مسدلة على شمس لا ترحم، وفي الليل حتى ننام على بعضنا البعض كقطعتي ثياب رُميتا على عجل.
حين يعلوني أتذكّر مثل أمه، فأضحك في سرّي وأشدّه إليّ أكثر ألا يطير مني. أحبه. لم يخبر عمتي أحد أن الياسمين نبتة متسلقة، تلتفّ على ما تحب ولا تستأذن أحداً. كنا نتعانق كمن يرفع دعوى، ونتبادل القبل كمن يدلي بشهادة بعد القسم، لكنني بدأت أشكّ مؤخراً أن الشبق نفسه صار شكلاً آخر من التبرير: "انظروا، ما زلنا نشتهي بعضنا بعد سبع سنوات، إذن نحن على حق، نحن لم نخطئ". كنا نمارس الحب أحياناً كما يوقّع أحدهم على عقد للمرة الثانية، ليتأكد أن توقيعه ما زال يشبهه.
بعد حين من زواجنا، ربما في السنة الثالثة، جاء السؤال الأكبر، سؤال الطفل، ولم يأتِ مرة واحدة؛ جاء على دفعات كمطر الصيف، تتجمع السحب على عجل ثم تتفرق، يهطل قليلاً هنا وقليلاً هناك، ثم تجده قد ملأ الوادي وجرف كل ما في طريقه. عمّاته يسألن في كل زيارة: "متى تُفرحوننا؟"، أما أمي فعلى العكس، كانت تقول في مكالماتها السرّية المتباعدة بين الشهور: "الزواج قد ينتهي بالطلاق وتُطوى صفحته، لكن الذرية حكم مؤبد". لم أجادلها، فلم أكد أصدّق أنها عادت للحديث معي.
الحق أخاف من اسم طفلي، سيحمل اسم أبيه، واسم جدّ أبيه، والسؤال الذي حملناه. لا أخجل من زوجي لكن أخاف على طفلي؛ سيكبر ويذهب إلى المدرسة، ويحب يوماً فتاة، ويقف أبوها أمامه في مجلس ما ويسأله: "ابنُ من أنت؟". أما زوجي فيخاف من شيء آخر، قال لي مرة ونحن عائدان من بيت أهله بعد صمت طويل: "لا أريد ولداً يصير جسراً"، سكت لوقت غير قليل وأكمل: "الجسور يُداس عليها".
أظن أنه يخاف من شيء أبعد ولا يقوله: يخاف أن أبقى معه من أجل الطفل، لا من أجله، أن يتحول بقائي من اختيار إلى واجب. يستطيع أن يعيش رجلاً لم يرض به أبي، لكنه لا يستطيع أن يعيش مع امرأة بقيت مضطرة. وكلانا يخاف من السؤال الذي لا نسأله: "هل سيدوم زواجنا؟" لا أحد يُنجب طفلاً في بيت لا يعرف إن كان سيبقى بيتاً.
قبل سنة تأخّرت دورتي عشرة أيام. اشترينا الاختبار من صيدلية مسقط في الصاروج بالرغم من وجود صيدلية على بعد دقائق من شقتنا في مسقط هيلز، كأننا نخاف أن يرانا أحد نعرفه، بالرغم من أننا غرباء في المكانين. جلست على كرسي الحمّام، وجلس أمامي على الأرضية الباردة. ثلاث دقائق لم أنظر إليه فيها، كنت أنظر إلى يديّ الممسكتين بالاختبار، وأسمع الماء يقطر من الحنفية، قطرة كل ثانيتين تقريباً، عددت سبعاً وثمانين قطرة.
خطٌّ واحد.
زفرنا معاً في اللحظة نفسها وبالنفَس نفسه، كأن لنا رئة واحدة. رفعت عينيّ فرأيت في وجهه ما كان في وجهي: ارتياحاً، وخلف الارتياح مباشرة، الخجل. لم نتحدث عن ذلك أبداً. وضع العلبة في كيس أسود، ربطه جيداً، ونزل به إلى الحاوية بنفسه، كمن يتخلّص من دليل. عدت إلى حبوب منع الحمل، ووضعت منبّهاً في الهاتف كل ليلة عند العاشرة؛ كل ليلة أبلع قراراً صغيراً لحماية طفل لم يأتِ.
السقف ما زال هناك، والبقعة ما زالت تشبه بلداً لا يعرفه أحد، وأقدامنا ما زالت متشابكة. قلت: "أتريد أطفالاً؟" قال: "لم يكن هذا سؤالي". بادرته: "بل هذا سؤالك بالضبط". سكت، ثم شدّ على يدي قليلاً وقال بصوت منخفض كأنه يعترف بشيء: "قالت لي أمي اليوم: الزوجان بيت، لكن العائلة تحتاج إلى ثلاثة". جملة قالتها امرأة وهي تطبخ، وحملها رجل يوماً كاملاً في صدره، وانتظر أن يتعرّى ليقولها، كأن الثياب كانت تحبسها.
إن أنجبنا طفلاً لنصبح عائلة، فنحن ننجبه ليشهد؛ نستدعيه شاهداً ثالثاً في قضية لم يرفعها، ونطلب منه أن يُثبت لهم، ولنا، أننا لم نخطئ، وهذا ظلم لا أريد أن أبدأ به حياة أحد. "إن أنجبناه لنثبت لهم شيئاً، سنظلمه"، قلت، فأجابني: "وهل قررنا عدم إنجابه لأننا خائفون؟" لم أجب، لأنه لم يكن سؤالاً بل إقراراً. إن لم ننجبه لأننا خائفون فقد ربحوا، وكانت إجابتهم هي الصحيحة. هل سيدوم زواجنا؟ لا أعرف، ولا أحد يعرف، لكن الذين تزوّجوا برضا الجميع لا يُسألون هذا السؤال كل ليلة. نحن نُسأل، ومع ذلك نصحو كل صباح في السرير نفسه بالحب ذاته أو يزيد.
ارتخت يده في يدي شيئاً فشيئاً، ثم صار نفَسه ثقيلاً ومنتظماً؛ نام قبل أن نحسم هذا النقاش، كما ينام دائماً حين يُخرج من صدره الحصاة. رنّ المنبّه عند العاشرة ليلاً. قمت عارية إلى الحمّام، فتحت الدرج وأخرجت الشريط، ضغطت على الحبّة فانزلقت من غلافها الفضي إلى كفّي، ثم توقّفت. لم أبلعها، ولم أرمها، تركتها على حافة المغسلة صغيرة وبيضاء، كسؤال عفيف لا يحتاج لتبرير ولا إجابة.