الشارعان والشارع الثالث الأبعد عنهما
كان بوسعي أن أقطع شارعاً من شارعين لأصل إليكِ في موعدنا الأول، لكني اخترت الشارع الثالث؛ الأبعد. كنت خجولاً، مشوشاً، وتعتريني الكثير من الربكة والفرح. عندما أتذكر ذلك اليوم، أود لو أنني بُحت لكِ بأمنياتي عن علاقتنا التي وُلدت ساعتها.. لو أنني أخبرتكِ أن رحلتنا معاً يجب أن تتخذ مساراً سماوياً بيضاوياً كالأرض؛ فحين نفترق وتتسع المسافة، لا يكون لنا خيارٌ آخر سوى الاقتراب مجدداً. لكن يبدو أننا سلكنا الطريق الأطول.. الطريق الممتد كالتعب.
في هذه الأيام تغادرني الرغبة، وكأني عجوزٌ هالك عاش طويلاً حتى تحولت كل رغباته لذكريات، وكفّ عن صنع ذكريات جديدة. أفعل الكثير من الأشياء كالآلة، حتى أكثر الأشياء قرباً وحميمية أفعلها لأن من الواجب فعلها لا أكثر. عندما أعود للمنزل وأحمل في وجهي ما يقي أمي من الخوف على حالي، لا أفعل ذلك بنوع من الثقل ولا حتى الخفة، لكن أفعله لأن الشفرة كُتبت لفعل ذلك بشكل مجرد، يخلو من الاهتمام للمزيد من الدفء والمشاعر.
أحاول مداعبة نفسي لكن لا أشم اللذة، وأحياناً أفشل حتى في الانتصاب وكأنه خرقة سمراء بالية. أفقد الرغبة في الاستمناء وكأني أمقت الرغبة؛ ليست هذه الرغبة فقط، بل جلها وعمومها دون تخصيص. الباقي مني يشغله عناقكِ، وتشغله ضحكتكِ، ويشغله تركيزكِ في كتابكِ. وجهكِ الجميل بذقنكِ المميز يشغله، بجانب حنانكِ الذي تقسمينه على الآخرين بكل ضرر على نفسكِ.
في تلك الساعات المسروقة من عمري، عندما تبادلنا القُبل بشهوة عارمة كأننا موجتَي تسونامي لا تعرف الهوادة ولا الرحمة، كنتِ تمازحينني بأن كل الجيران يعرفون ما نفعل الآن، وقلت لكِ باسماً إننا ننجب وردة، وليس علينا الانشغال بهم. جسدكِ الذي أحب، صدركِ الغامر اللدن وبطنكِ الذي أود. فيكِ، بين ثنايا جسدكِ، يُختزل عالم من الدفء كالمنزل الذي أريد أن أعيش فيه طويلاً دون أن أغادره. لم أكن أعلم عن نفسي أنني يمكن أن أصمد كل تلك المدة، كانت الرغبة تتدفق من جسدينا كنهر يصب من قمة عالية تكسوها الثلوج وتذيبها الشمس بمهل، لتصب في المساحة الضيقة والمعدومة بين صدرينا العاريين والمبللين بالعرق.
كنت لصكِ في كل تلك الليالي، الدقائق تتلاشى بخفة كأنها لص أمسك بالقطعة الفريدة التي يتحدث عنها الجميع ولكن لم يرها أحد من قبل. لا أستطيع أن أنسى كل الساعات والدقائق التي تقاسمناها سرقة من الزمان والمكان. أغمض عينيّ وأتذكر زيارتنا الأولى للبحر وكأني أراها الآن؛ تلبسين أثيركِ، قميصكِ الأحمر ماركة American Eagle، وتبتسمين لي، وشعركِ بخصلاته الممتزجة بلون الكستناء والسواد يحملها نسيم الصبح على وجهكِ، لتبعديه بأصابعكِ بوهن يشبه التعب، وخفة تمازجها الرقة. كنا نسرق البحر والرمل وصوت الموج وكل الحيوات التي تعيش في المحيط الممتد.
أفتح عينيّ في ظلام الغرفة، ليتحول الزمن في عُرينا كقطعة أخرى مرمية في بعثرة غرفتكِ، أو قطعة أخرى من ملابسنا المرمية على طول الممر الصغير من صالتكِ وحتى سريركِ. الزمن يدبر لنا الأسباب مع كل شيء في شقتكِ لنمارس الحب. في تلك المرة، مارسنا الحب أمام تلفازكِ، وكانت أغنية لمحمد عبده تدثرنا ونحن على الأرض، نحاول إعادة تلحين تلك الأغنية الطويلة ونضيف لها إيقاعاً أكثر جموحاً وأقل رتابة. ومرة أخرى على كنبتكِ التي تشبه صندوق باندورا الخاص بنا؛ مارسنا الحب في ذلك الحيز الضيق. عندما تكونين بين أنفاسي وروحي لا أرغب بمساحة أكبر، يكفيني حيز ضيق لأعيش وأنتِ في صدري حتى لو كان هذا الحيز قبراً.
ما الجنة إن لم تكن تلك اللحظة حين نفرغ من الحب، وتستحمين بينما أنا أجاهد نفسي في التبول، ونضحك معاً من فشلي الدائم في هذه المهمة لتكافئيني بغسلي وتقبيلي؟ جنتي بسيطة بهذا القدر، بقدر أن لحظة تلذذنا بتغميس الخبز بزيت الزيتون والخل البلسمي تعادل جنة عدن الموعودة.
ربما فقدت رغبتي في مكان ما بين طيات كنبتكِ التي تبتلع الأشياء. في المرة الأخيرة التي زرتكِ فيها، جلستِ على تلك الكنبة ذاتها تبحثين عن عمل في دولة أخرى، وأنا أمامكِ على الأرض أحاول تركيب رفوف إيكيا التي اشتريتها لحمامكِ؛ أبحث في عقلي عما يجب أن أفعله لتشعري أنني أود الحياة معكِ، وأن نشيخ معاً ونتبادل الشتائم كأي عجوزين محبين. في كل مرة أقبلكِ فيها أود أن أكون رجلكِ، وأن تكوني التي أموت دونها. لقد كانت رحلتي طويلة ومرهقة، وحين وصلت لصدركِ كنت أشعر أنه الصدر الأخير، أنها المحاولة الأخيرة للحب والاختيار.
في كل مرة زرتكِ فيها، كنت أحاول الاهتمام بكل شيء في عالمكِ الجميل المرتب بعشوائية. منذ زيارتي الأولى لشقتكِ وأنا أشعر أن شقتي بلا روح، بل مكان مملوء بالأسباب والنتائج. لم يسبق لي امتلاك شموع بعدد فردي، بل أحب شراءها أزواجاً للمحافظة على التوازن. لم ألحظ هذا إلا حين احترت لمدة غير وجيزة في المكان الذي يجب أن أترك فيه شمعتكِ التي أهديتني إياها. أنا وشقتي بهذا القدر من الترتيب الرتيب والممل، أما مساحتكِ فكانت تعيش فيها الكتب بجانب نباتات الزينة وأكواب خمر ليلة الأمس. كنت أريد أن أنشر نفسي بين أشيائكِ حتى أصبح من كل شيء، لأصبح منكِ، لأصبح من مساحتكِ الدافئة تلك.. أنشر نفسي لعلي أنجح في تحريضكِ على الاندماج بي، ليحدث لكِ ما يحدث لي.
الآن أفكر بكِ عندما أستيقظ، وقبل أن أنام، وأنا أستحم، وحتى وأنا على كرسي الحمام أتذكر وأبتسم. في كل مرة نبالغ في السُكر نذهب للحمام معاً. أتذكر تلك اللحظات الصعبة؛ جلستِ أنتِ على كرسي الحمام ووقفت أنا إلى المغسلة، أمسكنا بأيدي بعضنا وكأننا في مواجهة حتمية تحدد مصير العالم. كان صوت إفراغ مثانتينا في ذات الوقت وكأنه صوت الانتصار على كل شيء في هذه المدينة الأسمنتية الجافة.
وقفت أمامكِ عارياً كثيراً. لم أكن أود الاحتفاظ بستري أمامكِ؛ الثياب والذكريات والرغبات كلها عارية، وحتى عيوني تفضل عريها أمامكِ. لم أجد أي غضاضة في البكاء معكِ. هل تذكرين آخر زيارة لكِ حين سمعنا الشعر؟ لم أشعر أني في حاجة لارتداء أي قناع، كانت انكساراتي قبل انتصاراتي تسوقني إليكِ لأقولها بكل دعارة وصفاقة وشجاعة لا أمتلكها عادة. الآن، عندما أسترجع كل تلك الحكايات والأحاديث، لا أعلم كيف نطقت بها وأنا قلّما أتكلم حتى في الأحاديث العابرة.
لم يكن عناقنا ونحن عراة إلا صلاة، ولم تكن قبلاتنا إلا دعاء. مؤمن بكِ كنبي، وأنتِ الآلهة التي بعثتني. في أول مرة رأيتكِ فيها كنتِ ملفتة للغاية وقد تحرجت عن التعبير؛ أحسب لكِ المبادرة فأنا لم أتعود أن أبادر. الآن أود إنكار كل شيء والرجوع لأي لحظة قبل هذه القطيعة. لا يهمني لأي لحظة ستكون عودتي؛ للحظة عناق، أو لحظة ابتسامة، أو للحظة مشاهدتي لكِ وأنتِ تقرأين. أحب كل شيء فيكِ حتى ملابسكِ السوداء التي لا تعجبني، يبدو أنه تناقض بيّن، لكن صدقاً أنا أحبكِ جداً لدرجة أني أحب ما أكرهه بكِ. هي الأشياء التي تكونكِ، كلها لا أفرقها بل جميعها لها منزلة واحدة، أحبها جداً.
لو قلت إني أود الرجوع حتى للحظات غضبي منكِ، هل تصدقينني؟ العودة للحظات التي وددت فيها طرق بابكِ في ساعات الصباح الأولى والتسبب في بكائكِ، لأنكِ بالغتِ في اللطف كالعادة تجاه رجل وغد أو صديق قديم، أو استهلكتِ نفسكِ في العمل، أو لمجرد شعوري أنكِ غبتِ أكثر من اللازم عني. الآن لن أرفض العودة لتلك الساعات التي استهلكت فيها طاقتي وراحتي، سأعود لها بكل سرور. حينها كنا معاً، كنا قادرين على الكلام واصطناع الأعذار. وكمثل كل مرة، كنت قادراً على نسيان كل شيء، فحتى قدومي لتأنيبكِ في ساعات الصباح الأولى كان يتحول دائماً لسكون بين قُبَلكِ وصدركِ. طالما كنت قادراً على رؤية وجهكِ وعناقكِ وتقبيلكِ، كل شيء مجرد تفاصيل جانبية، طالما كنت قادراً على هذا.
لا أعلم ما هذا، ولا أستطيع تكوين فكرة عنه. هو شيء لا أستطيع تكذيبه بكل سهولة، فلا أحتاج لدليل إضافي كي أقتنع، بل تجاوزت مرحلة القناعة ووصلت للمرحلة التالية؛ مرحلة اللاحكم. في البداية تنازعك الأفكار في كل الاتجاهات، وما إن تتعثر بما يدفع الشك عنك للحقيقة، تصبح بلا اتجاه؛ تسقط في مكان ما ليس الوسط ولا الزوايا ولا حتى قريباً من الحدود، بل مكان ما لا يهمك تحديد موقعه ولا قربه من الحقيقة التي كنت تبحث عنها.
وصلت أنا لهذا المكان؛ المكان الـ "ما" الخارج عن الزمان والمكان، حيث تتضاعف فيه المشاعر والثواني وكأنه قدر ضغط هائل مملوء بحبات الذرة. وضعت قدمي ثم خطوت مبتعداً، انفجرت في الخطوات الأولى، لكن كلما زادت خطايَ تساقط الغضب كما يتساقط الرضى، وحين أصل لنهاية الطريق لن يكون معي إلا القليل من الذكريات، وربما بدونها. تعلمت ألا أكابر في وجه الزمن، فهو كفيل بكل شيء؛ كفيل بإطفاء الحرائق مهما كانت شدة الانفجار، كفيل بالتذكر والألم، وكفيل بالنسيان والفرح. الزمن قوة جبرية مطلقة غير خاضعة للأفكار والفلسفات، يمكن أن أقول إنه قاطرة لا تسير على سكة، بل على صدور البشر العارية. في حالتي، أشعر أني أرض قاحلة جرداء بصخور بركانية كانت يوماً حمماً، واليوم مجرد صخور سوداء مصمتة، سيجري فيها قطار الزمن بلا مقاومة ولا يحزنني ذلك البتة. ما أريده فعلاً أن يمتد الطريق، وأن يذهب القطار لأبعد ما يمكن.
أحاول هنا كتابة الكلمات طالما أن الأحداث طازجة والذكريات ملونة في مخيلتي.. ملونة بقدر الورد الذي جلبته لكِ في آخر عراك. لم نخضْه معاً، كنت أخوضه مع نفسي، أنزعكِ من روحي، أشوه صورتكِ الملائكية في عقلي كما ينبغي. لا أستطيع تصديقكِ هذه المرة، فلم تكن أفكاري من تخونني بل أنتِ. لقد قبلتِ أن أكون رقماً، وأنا أكره الأرقام، لا أحفظها وأحتاج لحاسبة للتعامل معها.
أكره الأرقام، لأنها حتى حين تكون نكرة دون سياق، لا تركن للعطالة وتتنازل عن وظيفتها؛ قالب جامد من الحياة منزوعة من الرأفة والشفقة. منذ أن غادرت باب المنزل في ذلك الصباح البعيد والبارد للمدرسة وأنا رقم؛ رقم الجلوس، ثم رقم الطالب في الكلية، ثم رقمي الوظيفي. تحويل البشر لمجرد أرقام يدفع الآخرين لارتكاب الجرائم والمجازر، فطالما أنه رقم فهو ليس بشراً، جريمة قابلة للتفسير والمناقشة وحتى التجاهل. حين رأيتكِ تختصرين كل شيء برقم، شعرت بمجزرة تحدث في حقي، أكثر من الخيانة، أكثر من معاشرة رجل آخر. شعرت بالمجزرة التي تقومين بها تجاهي، فقد قمتِ بأول ما يفعله الغزاة؛ تحويل ضحاياهم لمجرد أرقام.
لا أتذكر ماذا حدث تالياً؛ شعوري بأن كل هذا هراء لا يستحق مني كل هذا العناء، أم كذبكِ اللعين البيّن.. لكن أتذكر لقاءنا الأول، والشارعين، والشارع الثالث الأبعد منهما.