أنت تراني
تقف بجانب الباب وتنظر نحوي، تراني ولا أراك، ولكن أشعر أنك هنا، لسنا وحدنا، معنا مسدس محشو وكوب ويسكي دافئ، بالرغم من أني أشعر أنها مبالغة فجّة أن أجترع الخمر دون قطعة ثلج في هذه الأجواء الحارة، لا أستطيع أن أرى عينيك، لكن بحق اللحظات الأخيرة لرجل يشبهك، متوسط في كل شيء لا تبعد ناظريك عني. لن يطول الأمر، أعدك بحق الثلج أنه لن يطول، لو شعرت أن إنهاء الكأس إطالة أخبرني، سوف أجرعه دفعة واحدة وكأنه الخلود.
صدقاً، من رجل لرجل آخر يحترمه ويقدر تواجده، لا أود الإطالة عليك، ولا أود أن أطيل على نفسي أيضاً. أشعر أني عشت وحاولت بما فيه الكفاية، قد أستطيع إيجاد مبرر لولادة أمل جديد يبقيني حياً، لقد فعلت ذلك مسبقاً بشكل متكرر، وإلا لما بلغت هذا العمر، لقد عشت 43 سنة، وكلما فرغ أملي من شيء كنت قد تخيلت أنه سيجلب النور إلى روحي، عاجلت نفسي بأمل آخر، وفي مرات عديدة لم يكن الأمل إلا كذبة أستعملها كما تُستخدم القداحة الفارغة لإنتاج الشرار لا النار، أستطيع المحاولة مرة أخرى، هنا أو هناك، لكن لأي هدف سأفعل؟ لا أملك واحداً، وهنا يبدأ كل شيء.
لقد استدعيتك إلى هنا لثلاثة أسئلة عليك أن تسألها لي: الخمر، المسدس، والموت. لن أحاول صنع أي تشويق أو عمق، أنا هنا لأقول لك: لماذا أنت هنا معي؟ ولماذا أنا هنا في هذه اللحظة؟
لا أستطيع إخبارك بالمزيد، ولا الإجابة على أي من الأسئلة، قبل أن تشرب القهوة، في نهاية المطاف توقف لحظة وتخيل، لا تتخيل، بل عليك أن تستوعب، قبل أن أبدأ بالكلام معك هناك قبيلة أخاف خذلانها، وأب في قرية تبعد عن مسقط العديد من الكيلومترات سينبذني بقسوة من تحت تراب قبره إن بدأت معك الحديث بلا قهوة، قدّم لنفسك فنجاناً من القهوة، ساعدني أن أبر أبي. عندما تخرج من هذه الغرفة سيكون على يمينك ثلاثة أبواب، أحدها الغرفة التي أنام بها، والباب الآخر الذي عليك فتحه هو باب المطبخ.
انتظر، عليّ تصحيح عبارة قلتها، الأدق أن أقول الغرفة التي كنت أنام بها، أما الآن فلا أهتم أين أنام. ذات يوم وجدت نفسي جالساً على مقعد المرحاض، فتحت عيني وقضيبي متدلٍ كأنه خرقة بالية، بالرغم من أن الحلم الذي أيقظني كان لذيذاً للغاية كقطعة خبز محمصة مدهونة بالزبد والعسل، لكن جسدي لم يتفاعل كما تعودت، الأغرب أني لا أعلم كيف ومتى نمت هناك. التعب من الحياة تسرب لكل قطرة من دمي، لكل شحنة من دماغي، لم يستثر التعب مني إلا رغبة الرحيل.
هل وجدت آلة القهوة؟ الأكواب في مجموعة الأدراج الأقرب لباب الثلاجة، الدرج الثاني من الأعلى.
الباب الأخير هو غرفة الجلوس، الشمس تعاجلني في غرفة الجلوس بالدفء، تصل لعظامي، أفتح لها الستائر، أتلذذ بها، خصوصاً حين يخاتل البرد مسقط لأيام معدودات. أشعر بالامتنان لهذه النسمات الباردة والشمس التي تجعلنا سواسية، جو اليوم حار والرطوبة تعصر الجسد، يمكنك تشغيل مكيف الهواء.
هل تدخن؟ أنا لا أفعل، لكن لدي منفضة سجائر ستجدها على الطاولة الصغيرة بجانب الكنبة. حاولت التدخين بانتظام ولم أقتنع بالجدوى والثمن الذي عليّ دفعه مقابل السيجارة، أُدمن الصحة كما تدمنها الأمهات، تخيل أن تمرض وترى أمك مرضك، في كم شقاء ستكون؟ هذا ما تعنيه السيجارة لي، قد خنت عافيتي مرات لأغراض أن لا أكون الفتى الغض المعزول في الجلسة من وقت لآخر.
التفكير في سيجارة ونحن في السيارة بنوافذها المفتوحة يبدو خيار جيد هذا اليوم في مسقط، لقد نسيت تنبيهك أننا غادرنا الشقة وعدنا بالزمن للخلف، أنه اليوم الثلاثاء 25 من يناير 2005، وأنت معي في السيارة متوجهين معاً لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مقر عملي، لقد عشت مسبقاً هذا اليوم، وعدت له مرة أخرى لأمهد لك الإجابة على أحد الأسئلة الثلاثة، إنه اليوم الذي أعلن فيه التلفزيون إحباط خلية التنظيم السري.
لقد اخترتك أنت بعناية، فلا تتصور أنك هنا من قبيل الصدفة، فحتى إن كنا لا نعرف عن بعضنا، قد تكون أنت هو أنا الذي في المرآة. أتعلم؟ لا أريد الموت، وحتى كلامي عن الأمل قابل للمراجعة، لكن ما لا أستطيع تجاهله رغبتي الملحة في تقيؤ الطبقة المتوسطة، إنها تملأ صدري بالكثير من القيء الحامض، تتعب أنفاسي في هذه الحياة، تجعلني بركة مملوءة بالتسويف والأمنيات، تجعلني أغرق في ذاتي وكأني في سلسلة غير منتهية من الغرق، وبين كل غرق وآخر، لا أرفع رأسي لأتنفس بحرية، بل تشدني لوهن آخر ترميه في عقلي، هذه الطبقة اللعينة تلعب بكيمياء المخ فتحبسك في محل وقوفك، فمرة تبرر حبسك مخافة النزول للطبقة الأفقر، ومرة تسجنك بإقناعك أنك لا تملك ما هو أكثر لتفعله لتغادرها للطبقة الأغنى، تسجنك بالقناعة بأنصاف الأشياء، وأنصاف المتعة.
لقد ورثت الطبقة المتوسطة عن أبي، كلفني أبي الكثير، لكنه لم يُحمّلني مشقة كمثل اسمه، جنى عليّ بحديثه المستمر عن القناعة والزهد، كانت التقوى بالنسبة له هي الفقر، وكلما أخبره أحد أنه فقير أحس أنه غني للغاية، في صغري كنت معجباً كيف كان أبي مثالاً لما يقول عن الزهد، لكن عندما كبرت أدركت أن أبي مجرد درويش، ليس زاهداً بقدر عجزه عن كسب المال والتجارة، لو وُلد اليوم لكان أبي مديري في العمل، لقد وُلد ليكون موظفاً حكومياً لا يسعى لأكثر من الكفاف.
أبي أيضاً يذكرني باللحم، كان يجلس قبل العيد ينحت من سعف النخل أعواد شواء، كم أحببت ذلك الرجل في تلك الأيام، لم أخبرك عن حبي للحم؟ اللحم كان أولاً، ثم جاء كل شيء، يذكرني اللحم الوافر بالعيد، ليس للعيد في ذاكرتي إلا صوت الرصاص واللحم، الرصاص عندما ننتهي من خطبة العيد ومغازلة جميلات القرية، واللحم هو ما يتوج جمالنا كرجال في أيام العيد، كاد يُشق ظهري بحمل كتف الثور، لكن جارتي الجميلة سترى الدم على ثيابي لتعلم أي فحل عليها أن تتمناه حين تراني، لقد رأتني وتمنتني، لكن كان جدها يكره أبي وأخرس الكره مستقبلنا، من حينها همتُ على وجهي أحمل ذلك الكتف وما كان لي أن أرميه، ولم أجد من ترى الدم الذي ينزف لأعجبها، بنات مسقط لا يعرفن الثيران يا صديقي.
كان في جيبي في عام 2004 عشرة آلاف ريال، وحلم ينمو بداخلي بشقة على البحر، أو بيت صغير لا يخنقني بسور إسمنتي، أنا أمقت الأسوار حد اللعنة، الأسوار لا تحمينا إنها تحبسنا عن الآخر والمحيط، عن الطريق والخطى، كنت أتوق لمكان يشبه في طرازه بيوت رأس الحمراء.
تعرف رأس الحمراء بالتأكيد؟ تلك المستعمرة الخضراء الأنيقة، حيث الشوارع المنظمة، والأشجار التي تعانق البيوت المفتوحة بلا جدران فاصلة، لكنني مجرد موظف حكومي، لست خبيراً أجنبياً ولا مهندساً في شركة تنمية نفط عُمان ليحق لي التمرغ في نعيم الخدمات والشوارع المشجرة.
حين لمحت مشروع الموج للمرة الأولى، رأيت فيه رأس حمراء جديدة يمكن شراؤها بالمال دون الحاجة لبطاقة عمل في شركة النفط، لامس المشروع روحي، لم أكترث حينها لتفاهة العشرة آلاف ريال القابعة في جيبي مقارنة بحجم المبلغ المطلوب للتملك في المشروع، اكتفيت بالانتظار وطويت على تلك الريالات حتى يأتي الوقت لأشتري بيت أو شقة في الموج.
بعيداً عن مسقط في ذات العام وقريباً من الوادي المحاذي لبيتنا، جماعة تخطط للانقلاب في سبيل الإمامة القديمة، كان لي صديق يريدني معهم، على وجه الدقة كان يريد اسم أبي معهم، قد مات أبي قبلها بعام وأورثني اسمه الذي مهد لي وظيفة جيدة في الوزارة وسترة الإمام في المسجد، بعد أن حلفت أني لست بخير من الإمام في الصلاة، لقد رآني أحمل أسلافي، أهل الحل والعقد جيلاً بعد جيل، وأنا كل ما رأيته منهم هو القرية التي تريد أن تحكم المدينة، لقد رأيت غرور الشاة ينطح غرور مرتفعات القرم، وأنا لم يشغلني حينها إلا مشروع الموج.
لم أقتنع بالانضمام لهم، لكن وعدت بالاصطفاف إذا لزم الأمر، لذلك دفعت ثمن المسدس وتبرعت بالباقي للجماعة، ذهبت الثمانية آلاف وبقي في جيبي ألفان. قد يبدو لك أنه قرار متهور وهو كذلك، لم أكن معهم ولا ضدهم، لم تكن قضيتي حتى، لقد حملني أبي لحيته واسمه، حرمني الاسم قبلها حبيبة طفولتي، وعادت لحيته لتشدني لجوعى السلطة، وبطريقة لا أعلمها لم يُعرف عني أحد، ولم يُدق بابي لتحقيق ولا سؤال، خرجت بمسدس من ذلك كله.
هذا هو المسدس، بإمكانك أن تلمسه إن أردت، معدنه بارد جداً، أبرد من هذا الويسكي الذي أُمسك به، أرى عينيك تنزلقان من فوهة المسدس إلى حافة كأسي، نعم، هذا هو السؤال الثاني: الخمر، لماذا أقف أمامك الآن، في هذا الحر المقيت، أجرع الخمر دون مكعب ثلج واحد يواسي حلقي؟
أخبرتك أني دفعت ثمن المسدس وتبرعت للجماعة، في تلك الأيام كانت الاعتقالات حديث المجالس، سيارات الدفع الرباعي الداكنة ترسل تباعاً نحو الأهداف، والأسماء تتساقط كأوراق خريف مبكر. جلستُ في مجلس بيتنا أراقب الشارع، أنتظر طرقات الفجر، رتبتُ في رأسي خطبة بطولية، تخيلتُ كيف سأنظر في عين المحقق بثبات، وكيف سأتحمل الصفعات دفاعاً عن الحق، عن الثورة ورياح التغيير والجماهير، مرت الأيام، الأسابيع، خرج المذيع على القناة الوطنية وقال تم إحباط الخلية، وانطوت القضية ولم يطرق بابي أحد.
هل تستوعب حجم هذه الإهانة؟ لم أكن حتى جديراً بالاشتباه! كل تلك الأموال التي دفعتها، المسدس الذي خبأته، اسم أبي، لحيتي، كل هذا لم يشفع لي لأكون سطراً واحداً في ملفات الأمن، تجاهلتني الحكومة تماماً، مرّت من فوقي وكأني ذرة غبار على حذاء.
كيف لهم أن يتجاهلوني وكأني غير موجود؟ أإلى هذا الحد أنا شفاف؟ هل ورثت من الطبقة المتوسطة حتى هذه الحالة اللامرئية؟ أن تكون أقل من أن تُعتقل، وأصغر من أن تُشكل خطراً على أحد.
لا تضحك ولا تحاول تبرير شيء لي، لنعود للخمر، دعني أخبرك عن سعيد بن خلفان، سعيد ليس اسمي بل ضابط متقاعد من الجيش تعرفت عليه بعد فترة، جاء للوزارة ليتابع تراخيص بناء مسجد، رجل ضخم أبيض كثير الشحم، مشيته تخبرك أنه موجود ومحسوب حسابه وعطره فواح، ربما يتعطر بعطور أمواج؟ تعرفها؟
المقدم متقاعد هذا أهداني أول زجاجة خمر في حياتي، لم أكن أملك تصريحاً لأشتري الخمر فالطبقة المتوسطة لا تملك تصاريح للخطايا الكبيرة، نحن نخطئ بالتهريب فقط. تلك الليلة بعد أن اصبحنا اصدقاء كنا نجلس في حانة في روي، رائحة الدخان تختلط برائحة عطر جوبيليشن 25 الفواح من خدود سعيد، كان له خدود سمينة كخدود كلب البولدوج الإنجليزي. شربت تلك الليلة لأول مرة، نسيت أن أخبرك لقد حلقت لحيتي قبلها بشهور.
في ذروة النشوة والسكر، في اللحظة التي شعرت فيها أن دمي يغلي وأني رجل خطير يجالس العسكر، انحنيتُ نحوه، قربت فمي من أذنه، وهمستُ له بثقل السكارى: "أنا أملك مسدساً، لقد مولتُ الانقلاب".
توقعتُ أن ينتفض، أن يقبض عليّ، أو على الأقل أن ينظر إليّ برهبة. أتعلم ماذا فعل؟ ابتلع ما تبقى في كأسه، وأطلق ضحكة مدوية، ضحكة سالت معها دموع عينيه المحمرتين، ثم ضربني على كتفي بقوة كادت تكسر ترقوتي وقال: "أنت؟ انقلاب؟ يا رجل، أنت لا تستطيع قيادة تمرد في طابور المدرسة! اشرب، اشرب وعد إلى وزارتك غداً، فالثورات تحتاج إلى رجال بخصىً ثقيلة، لا لموظفين يرتجفون من سجل الحضور والانصراف".
تلك الضحكة أخصتني للمرة الألف، لم يأخذني على محمل الجد، كلماته ابتلعت ما تبقى من كبريائي الوهمي.
بعدها بأيام أتى للوزارة وقبل أن يغادر مر على مكتبي وقال بأمر عسكري "أنتظرك في السيارة". تركت ما في يدي ولحقته، أعطاني كيساً أسود بداخله قنينة ويسكي من ماركة شيفاز ريجال، أخذتُها وقال: "لا ترتجف، هدية لمساعدتك في معاملة المسجد".
زجاجة الخمر الأولى التعامل معها أصعب من المسدس، تلك الزجاجة البكر خبأتها تحت كرسي السائق وعدت بها إلى الشقة، دسستها في أعمق نقطة في خزانة ملابسي، خلف المعاطف الشتوية، لم أشربها، شربتُ بعدها مئات الكؤوس من زجاجات أخرى. ما يضحكني حين أتذكر ذلك اليوم وكيف خبأت الزجاجة هو أني أسكن بمفردي، عمّن كنت أخبئها؟ عن نفسي؟ هل لديك إجابة؟ اشرب قهوتك لا تجيب.
بقي لنا سؤال واحد عن الموت، قبل أن أعطيك الإجابة، عليّ أن أخبرك كيف نموت نحن أولاً قبل أن نطلق الرصاص، أو نبتلع السم، أو نقفز من نافذة.
هل تذكر تلك السنوات المجنونة؟ بين عامي 2006 و2008، حين فتحت الحكومة أبواب التملك، واجتاحت عُمان موجة محمومة من أموال الخليجيين. في تلك الفترة، لم تعد الوزارات في مسقط تلك المباني الحكومية الرصينة المكتظة بالمعاملات والبيروقراطية، بل تحولت المكاتب حرفياً إلى دكاكين لبيع الملكيات والكروكيات لمن يرغب، الموظفون يتهامسون في الممرات بأرقام فلكية، وأختام الدولة تُطبع على عجل لتمرير الصفقات.
كان مالاً سهلاً، فاحشاً وسريعاً، تشتري قطعة أرض قاحلة لا ينبح فيها كلب في الليل وفي الصباح يهبط عليك ثري كويتي ليشتريها منك بضعف ثمنها.
قاومتُ هذا العبث في البداية، اعتقدتُ أنني أرفع من أن أتحول إلى سمسار أراضٍ، الصدق أني كنت لا أفهم كيف يتحول سعر التراب لهذا القدر بين ليلة وضحاها، كان شيء ما خطأ هكذا قلت لنفسي، لكن الجنون كان معدياً، كثيفاً ولا يمكن الفرار منه. الجميع في الدائرة اشترى وباع وتضخمت أرصدتهم، حتى حفصة، مديرة التوجيه النسائي، تلك المرأة التي لا تتحدث في الاجتماعات إلا بالآيات والأحاديث، خلعت وقارها في السوق واشترت ثلاث أراضٍ دفعة واحدة.
أحببت حفصة، سمرتها العميقة تسحبني كدوامة وأنا أحب الغرق، سمرة خافتة وعميقة تشبه الأرض بعد المطر، لكنني كنت أعلم يقيناً أن هذه السمرة ذاتها هي حائط صد شاهق بيننا في هذا المجتمع المغلق، يمكننا أن نعمل معاً، يمكننا أن نصطف ونركع لإله واحد، لكن نسجد كلنا للقبيلة.
كان يمكنني المخاطرة، أن أتمرد على اسم أبي وأخطبها، لكنني كنت أجبن من أن أفعل، لم أرد أن أعيش كشاة ضالة منبوذة ترعى وحيدة بعيداً عن القطيع. أنت تعرف هذا جيداً يا صديقي، الارتباط هنا ليس خياراً حراً، ليس التقاء روحين، بل هو صفقة أنساب معقدة وتصنيفات نُطف وأرحام.
لنترك حفصة جانباً، قد تزوجت ولها صبيان وبنت وربما حامل بطفل آخر. لم تشرب قهوتك حتى الآن؟ اشرب ودعني أكمل لك عن الأرض. سألت نفسي: لماذا أبقى المتفرج الوحيد؟
استسلمتُ في أسوأ توقيت يمكن لرجل أن يختاره في تاريخ الاقتصاد المعاصر في صيف 2008، وفي ذروة الطفرة، وقبل أن تنفجر الفقاعة العالمية بأشهر قليلة، ذهبتُ راكضاً إلى بنك مسقط. رهنتُ حاضري وما تبقى من مستقبلي، وسحبت قرضاً ضخماً لأشتري أرضاً في أعماق ولاية بركاء. لم تكن حتى أرضاً صالحة للحياة، كانت بقعة سبخة، محاطة بآبار مالحة أكلت جذور النخيل، لكنها كانت فرصة مغرية كشابة حسناء خلعت ثيابها ودعتك للفراش.
السوق مجنون لا يسأل عن الملوحة بل عن المساحة، هكذا قال السمسار وهو يقنعني بالشراء وعدم التفريط في الفرصة، وما إن وقعتُ عقود الشراء، حتى سقط السوق، تخيل، انهار العالم، تبخرت أموال الخليجيين، وانسحبت السيولة كجزرٍ مفاجئ تركنا نختنق في الساحل الموحل. سقط السوق، وسقطتُ أنا في قعر قرض لا نهاية له، ورطة تمتد لثلاثين عاماً، مقابل بقعة أرض لا يشتريها اليوم حتى راعي أغنام ليقيم عليها زريبة.
في خريف 2009، بعد أن انهار العالم اقتصادياً، أخبرني زميلي في العمل أن مشروع الموج العقاري يشهد انتكاسة مُرّة، وأسعار الشقق وصلت للحضيض، لقد وددت يومها في اغتنام الفرصة، بلا سور عالي، وبلا أمتار كثيرة تفصل باب الحوش عن باب الدخول، لكن كيف أفعل وقد رهنت رقبتي قبلها بعام في أرض بركاء المالحة، وقبلها بددت ثروتي على انقلاب فاشل.
خرجتُ من تلك الطفرات مديوناً، مخصياً مالياً، لا أملك أي شيء، انظر حولك في هذه الغرفة، هذه الشقة التي نجلس فيها الآن، والتي أتحدث لك فيها عن النور والشمس إيجار، ليست ملكاً لي، حتى سيارتي المتوقفة في الخارج، سيارة بالأقساط، ليست ملكاً لي، راتبي يُستقطع قبل أن أراه، أنا مجرد أنبوب عبور، تمر من خلالي الأموال من الحكومة إلى البنك، وإلى مالك العمارة، وإلى وكالة السيارات.
المفارقة أنا لا أملك سوى المسدس وزجاجة الخمر، لي حرية التصرف فيهما، ليس لبنك مسقط فيهما قسط ولا رهن. أستطيع أن أخبرك عن كيف صفعني الاكتئاب لأيام طويلة حين استوعبت هذا، لكن أنت في عجل وأنا لا أريد الإطالة عليك.
لماذا فتحتُ تلك الزجاجة الأولى اليوم، بعد كل هذه السنوات؟ ولماذا أشربها دافئة بلا ثلج؟
لأنه يوم مميز جداً يا صديقي، اليوم، وأنا أتصفح هاتفي في الحمام، قرأتُ خبراً عن انتعاش السوق العقاري، شقق الموج التي حلمت بها يوماً وصل سعر الشقة الواحدة منها إلى 150 ألف ريال. مائة وخمسون ألفاً! هل ترى، الثمانية آلاف ريال التي اشتريت بها مسدساً لم يقتل أحداً في 2004، ومولت بها ثورة لم تقم، وتجاهلتني بسببها حكومة لم ترني، أصبحت اليوم رقماً يثير الشفقة لا يشتري حتى كرسي الحمام في شقق الموج.
ليس هناك وقت، الوقت يركض في مسقط، مدينة خالية تبنى على عجل لا تترك لك مجالاً حتى لشراء الثلج، على كل حال الفشل الصافي لا يحتاج إلى تبريد، يجب أن يُجرع حاراً، لاذعاً.
هذا هو الويسكي، هذا هو المسدس، وهذه هي قهوتك التي أوشكت على أن تبرد، اشرب ولا تطمع بمقاسمة الكأس معي، هذا ليس لك، سأجنبك الذنب وأشربه في صحتك.
نعم الموت هو السؤال الأخير، سأجيبك وسأشرح لك الأمر بوضوح أكثر، دعني أخبرك عن تلك التايلاندية التي أعطيتها عشرين ريالاً لتنام معي، كنا في غرفة فندق رخيص في الخوير، خلعتُ ملابسي، ودفعتُ المال لأشتري وهماً صغيراً بالسيادة والانتصار، لكنني جلستُ على حافة السرير أنظر إلى قضيبي المتدلي كعلم دولة مهزومة يرفض الاستجابة، التايلاندية كانت تنظر إليّ بشفقة ممزوجة بملل، تحاول مساعدتي بحركات آلية وكأنها تصلح آلة معطوبة، وتنظر إلى ساعتها لتحسب الدقائق المتبقية من العشرين ريال.
النفط يتدفق من باطن أرضنا بضغط هائل، يشق الصخر بقوة وينصب أبراجاً وناطحات سحاب تقذف في وجه السماء، بينما أنا لا أستطيع حتى أن أنتصب مقابل عشرين ريالاً كاملة. في بلاد النفط لا يمكن لرجل أن يعيش بقضيب مرتخ.
الخيارات أمامك واضحة لتكون رجلاً ولتثبت وجودك في مدن النفط، إما أن تكون ثرياً فاحشاً يستنجي بالمال، وأنا كما ترى غارق في ديون حتى أذني، اشتريت تراباً مالحاً. وإما أن تكون ثائراً متمرداً يهابه النظام، وأنا تجاهلتني الحكومة رغم شرائي مسدس.
ماذا تبقى لي؟ جسدي؟
عندما يرفض جسدك أن يمنحك حتى متعة حيوانية رخيصة اشتريتها بحر مالك، حين تكتشف أنك لست ثرياً، ولست ثائراً، ولست حتى ذكراً صالحاً لممارسة التزاوج الحيواني البحت، لا تعود تريد الحياة. إذا سقطت من حسابات الثروة، وسقطت من حسابات الثورة، ماذا يتبقى لك؟ تتبقى لك ذكورتك البيولوجية البحتة، أن تكون فحلاً على الأقل، أن تستخدم قوة العملة في جلب المومسات للفراش. لكن حتى هذا الخندق الأخير سقط، قضيبي لا ينتصب، جسدي يعلن إضرابه عن هذه الحياة ويعلن تنصله مني.
هنا يا صديقي، جاء الموت. الكأس فارغة الآن، وأنا مستعد.