مالد
أبيع الكوارث كي أعيش. كل مساء، أقف أمام مرآة غرفة المكياج الباردة في مبنى التلفزيون، أُحكم طيّة مصْري حول رأسي كمن يلف ضمادة على جرح ينزف بصمت. أُهندم دشداشتي البيضاء المفرودة بعناية فائقة، وأمضي بخطوات آلية نحو الأستوديو، لأجلس أمام الكاميرا وأتلو على مسامع العالم وثيقة الخراب والموت الذي لا ينتهي في هذا المكان الموتور من الكرة الأرضية.
تحت إضاءة الأستوديو القاسية، تُعلق عيناي بشاشة الملقن الآلية، أقرأ منها أرقام القتلى كما يقرأ محاسب بنكي جردة نهاية اليوم. أقرأ تصريحات الساسة، وخطابات الكراهية المعبأة في زجاجات المذاهب والطوائف. أقرأ عن العواصم التي تحترق، وعن الحدود التي تُرسم بالدم البشري الطازج، دون أن يرفّ لي جفن أو ترتجف لي حنجرة. لقد دُربت طويلاً وبقسوة على أن أكون محايداً، أن أُفرغ الكلمات من شحنتها الشعورية قبل أن أنطق بها، وأن أقف أمام هذه المجازر كشاهد قبر رخامي لا يعنيه أبداً من ينام تحته.
لكن الماكينة تعطلت في رأسي. حدث ذلك في نشرة البارحة؛ كنت أقرأ خبراً عن مجزرة إسرائيلية حصدت العشرات من عزل غزة، وحين وصلت إلى جملة "وقد تبادلت الأطراف الاتهامات في مسئولية قصف المستشفى المعمداني"، شعرت بغثيان مباغت. ضجيج التحليلات السياسية، وشتائم الطوائف التي تتطاير كالرصاص المسموم في فضاء الجهل، بدأت تنهش قدرتي على التحمل ولم أعد أقوى على المزيد. شعرت أن هذه الشاشة الزجاجية التي أقرأ منها تبتلع إنسانيتي وتحولني إلى صدى أجوف للموت، تحرمني من قول ما يجب قوله خارج التوازنات والتحالفات، الحق بَيِّنٌ بشكل صارخ كأنه شتيمة في فمٍ فجّ لا يتورع عن إعادتها.
قررت أن أسرق يوماً واحداً؛ يوماً يتيماً أختبئ فيه من العالم ومن نفسي. هربت من صخب العاصمة، قدت سيارتي باتجاه ولاية صُحار، باحثاً عن استراحة نائية أستأجرها ليوم واحد. كنت أبحث عن صمتٍ كثيف، صمت ثقيل أغسل فيه أذنيّ وعقلي من هذا العفن. أردت مكاناً معزولاً لا يصل إليه بث نشرات الأخبار، ولا تتنفس فيه السياسة.
وصلت إلى استراحة حديثة، بواجهات زجاجية واسعة تطل على حوض سباحة ساكن. مع حلول المساء، تمددت على أريكة الصالة الوثيرة. ورغم هربي، لم أستطع التخلص من لعنتي؛ أمسكت بهاتفي، وأغرقت وجهي في إضاءة شاشته الباردة، أتابع بشراهة المريض ما يحدث في العالم. كنت أقلب بين الأخبار والتغريدات، أبتلع المزيد من رماد الكراهية، حتى تسلل إلى أذني، من خلف الزجاج الموارب، صوتٌ خفيض آتٍ من الاستراحة المجاورة.
لم يكن صخب موسيقى شبابية معتادة في مثل هذه الاستراحات، بل كان إيقاعاً رتيباً لضربات دفٍّ متقطعة، يتبعها همهمات جماعية عميقة، تبدو وكأنها تنبعث من جوف الأرض لا من حناجر بشرية.
قادني الفضول لأسمع أكثر. تركت هاتفي للحظة، وخرجت إلى الحديقة. اقتربتُ من السور القصير الذي يفصل الاستراحتين. أنا أعرف هذا الفن، سمعت عنه كثيراً، إنه المالد، لكني لم أحضره يوماً، فدوامة الأخبار لم تترك لي وقتاً للروح. قرّبتُ برميلاً بلاستيكياً فارغاً واعتليته بحذر لأرى ما خلف السور.
كان المشهد في الجهة الأخرى يتناقض تماماً مع برودة عزلتي. كانوا قد فرشوا الساحة المفتوحة بالسجاد الأحمر، وأضاؤوا المكان بمصابيح صفراء دافئة تكسر عتمة الليل. رجالٌ من مختلف الأعمار، يجلسون صفوفاً متقابلة، تتلبسهم سكينة مهيبة. أعرف سحناتهم جيداً، وأعرف كيف يصنفهم العالم المعطوب في نشراتي الإخبارية.
أعرف أن قواميس السياسة البغيضة تضعهم في خانات ديموغرافية متناحرة: هذا يقبض يده في الصلاة، وذاك يسبلها، والثالث يحمل في جيبه تربةً مثقلة بحزن قديم. في الأستوديو، وتحت أضواء التحليلات، هم مجرد نسب مئوية لمكونات طائفية يُتوقع تصادمها عند أول منعطف. لكن هنا، ما إن تربع الشاووش حتى تبخرت كل تلك الخرائط التافهة والتصنيفات الجوفاء.
بدأ التضاد ينخر في يقيني الجاف. التناقض بين عاجل الأخبار الأحمر في شاشة هاتفي الذي عدت لأقبض عليه في يدي، وبين ما أراه من فوق السور، خلق في داخلي هوة ساحقة. يأتيني صوتهم يصدح كجسد واحد، جسد يلصقه ببعضه البعض نسائم اللبان وحنين الشوق.
يلمع هاتفي في يدي بتنبيه عن خبر عاجل، ألقي نظرة سريعة؛ ولكنه ليس بجديد، قتيل هنا وقتلى هناك، لا ينتهي الموت حتى يسيل من جديد. دمٌ مسفوك بالكراهية والعمى، بينما ينشدون هنا:
"زِدْني بفرطِ الحُبِّ فيكَ تحيُّراً..
وإذا سألتُكَ أن أراكَ حقيقةً..
فاسمَحْ، ولا تجعلْ جوابي لَنْ تَرَى"
المُوحّد في صفوفهم، لمحته، ذلك الرجل الذي يشدو وبجانبه الخليفة، يلقنه ويمدّ له حبل الصوت إذا انقطع نَفَسه، كأنه يسند ظهره في معركة سلمية. يقرؤون السيرة، ويتحدثون عن لوعة البعد واحتراق الحشا، وترد عليهم أصوات الدفوف التي تضبط الإيقاع، لتكتمل لوحة من التبتل لم تشهدها جدران استراحتي الباردة:
"رَحلتُ عنهُم غَداةَ البَينِ مِن بُرَعِ..
وفِي الحَشَا لَهَبُ النِّيرانِ مُسْتَعِرَا"
أنا، الذي أقف على برميل خلف سور قصير، شعرت أنني أقف على حافة عالمين. عالمٌ يُغرقني في الدم والأرقام، وعالمٌ يدعوني للغرق في النور واللاشيء. دفعتني رغبة جارفة لا قبل لي بها لتجاوز هذا السور.
نزلتُ عن البرميل تاركاً خلفي هاتفي المحموم برسائل العاجل والموت على حافة السور، خلعتُ حذائي، حافياً على العشب البارد مشيت حتى تسللت من الباب المفتوح، لم يلتفت إليّ أحد، لم يرمقني أحدهم بنظرة ارتياب، ولم يسألني أحد عن هويتي أو قبيلتي أو موقفي السياسي، جلستُ في الخلف أطوي ركبتي وأكتفي بمشاهدة هذا الانصهار البشري.
كانوا لا يزالون يغوصون في سيرة المولد، ثم بدأت الإيقاعات تتغير. حان وقت الانتقال من الجلوس إلى الوقوف، لتبدأ مرحلة الهوّامة. انتظم الرجال في صفٍ متراص، تشابكت أيديهم، واشتدت حركتهم، يميناً ويساراً، في نسقٍ دقيق كأنهم شجرة واحدة تضربها ريح طيبة فتتمايل جذوعها دون أن تنكسر.
تتسارع الأنفاس، وتعلو دقات الدفوف ويزداد نغم الإنشاد سرعةً، بدأ صوت صف القرّاء يتداخل مع حركة صف الهوّيمة في حوار روحي مهيب، لم يعودا صفين منفصلين، بل كانوا معاً قطبين لكوكب واحد لا يوجد الآخر إلا بالأول.
كنت أراقبهم مذهولاً. الرجل الذي يقرأ التاريخ من زاوية، والآخر الذي يقرأه من زاوية معاكسة، رأيتهما الآن مغمضَي الأعين، كتفاً بكتف، يتنفسان من رئة واحدة ويذوبان في وجدٍ واحد، التفت إليّ رجل مسنٌ من أطراف الصف، كانت تجاعيد وجهه خريطة من الطمأنينة، رمقني بابتسامة عارفة، ومدّ لي يده المفتوحة، يدعوني للغرق.
ترددتُ، عقلي التحليلي، عقل المذيع البارد، كان يقاوم. جفني الذي تدرب على ألا يرفّ أمام صور الأشلاء، ارتعش. لكن حرارة المشهد كانت أقوى من برودة المنطق. تقدمتُ بخطوة مسلوبة الإرادة، وضعت يدي اليمنى في يده، وتلقف رجل آخر بيدي اليسرى. أُدخلت عنوة، أو ربما بكامل رضاي في صف الهوّامة.
دقت الدفوف، دور جديد يبدأ، كنت متصلباً، أتحرك كآلة خشبية. لكن إيقاع الدفوف لا يستأذن؛ إنه يضرب مباشرة في الموضع الذي يُضخ منه الدم في الجسد.
يمين.. يسار..
ومع كل انحناءة للجسد، كان حوارٌ مجنون يدور في رأسي. أتمايل يميناً فتسقط من ظهري نشرة أخبارٍ كاملة محملة بالدماء. أتمايل يساراً فيتلاشى صوت محلل سياسي استضفته بالأمس ليتحدث عن حتمية الصراع المذهبي.
يمين.. يسار..
محلقاً فوق أصوات الدفوف:
"طافَتْ على العُشّاقِ كَأسُ مُدامِهِ..
فَسَكِرْتُ مِنْها قَبْلَ كُلِّ مُدامِ"
أنا، الذي أثمل كل يوم بأرقام الضحايا ونسب المشاهدة وتحديثات وكالات الأنباء، بدأت أترنح، تراخت دفاعاتي الإسمنتية، انكسرت لغتي الفصحى المحايدة التي اختبأت خلفها لسنوات، شعرت بالجاذبية تفقد سطوتها، وانثنيت معهم بالكامل. أصبحت أتنفس من رئتيهم، وهم يتنفسون من رئتي.
يمين.. يسار..
صوت المُوحّد يعلو مجدداً، يرمي قلوبنا في مهب العشق:
"صلّى عليكَ إلهي يـا محمـدُ..
مـا دامت إليـك الورى تحدو مطاياهـا"
تتسارع الدفوف لتصل إلى ذروتها القصوى، قلبي يقرع معها، أنفاسي تلهث، ثم فجأة.. يتوقف كل شيء، دقة الدف الأخيرة المكتومة والحاسمة معها يرتفع الصوت كشهقة نهائية تخرج من قاع الروح:
"ألِفٌ.. صَلِّ وسَلِّم عليه"
حلّ سكونٌ ثقيل، مهيب ومقدس، وفي ذلك السكون بكيت.