شمس
في التاسع والعشرين من رمضان، يوقظني ضوء مسقطي ساطع لا يعرف المواربة، يخترق ستائري المائلة بوقاحة مألوفة. ضوءٌ أعرفه كما أعرف تفاصيل ظلي، وأمقت صدقه الفجّ كما أمقت وقوفي أمام المرآة. أنا امرأة من مسقط، كاتبة تحب هذه المدينة بطريقة ملتوية؛ لا كما يحبها العابرون المفتونون، بل كما يحب طفل في سرّه زاوية عقابه القديم.
أحب سوق مطرح في أيام العيد، أندسّ في زحامه المعبّأ بضحكات الباعة، وعبق البخور، ولهاث الأطفال، أحبه وأنا أمشي خاوية اليدين، لا أشتري شيئاً، لا أرتدي جديداً، ولا أستعد لزيارة أحد. بالنسبة لي كانت أزقة هذا السوق كمواسم نثر حبات اللقاح لقصص لم تُكتب بعد. لا يعنيني العطر ولا الثياب، بل أمضي باحثة عن فكرة ترتجف في هذا الزحام، لأقبض عليها قبل أن تتلاشى.
عشتُ عمراً أستقبل هذا اليوم بطقوس أخرى، لكنني اليوم أجاهد لدفع نفسي خارج الشقة. أخرج وحدي، أراقب الجموع وهم يبررون حتمية وجودهم بشراء أشياء لا يحتاجون إليها حقاً، أتنفس عطرهم الممزوج ببهجة مصطنعة، وأُمنّي نفسي بأن المدن، في أيام الأعياد، ربما تغفر للمارين خطاياهم.. حتى خطاياي التي فقدتُ القدرة على إحصائها.
لم أصم هذا العام، وقبل أن يبدأ الشهر، حرصت على أن أُكدّس في شقتي ست زجاجات من الـ "Gin"، كي لا يباغتني العطش حين توصد الخمارات أبوابها، ورغم ذلك يحدث أن أتوضأ حين يعلو صوت الأذان وتتداخل آيات القرآن مع فضاء الغرفة، لا أفعل ذلك لأصلي، بل لأذكّر نفسي بأن الصوت البشري مهما تمزقنا في جدلية الفكرة التي يرنمها، يمتلك قدرة غامضة على شقّ نافذة في سقف الحلق تطل مباشرة على السماء.
يشتد الزحام من حولي، ألمح وجوه النساء تتصبب عرقاً، يتنفسن بإيقاع حار ومكتوم، ليس بسبب حرارة الجو بل من هلع خفيّ على جودة مقاسات الخياط ومسار إبرته، وسط كل هذا أجدني أبتلع أشعة الشمس وكأنني أتعمد استدعاء الوجع، تهاجمني ذاكرتي برائحة الشمس، رائحة بيتنا القديم، ورائحة الطفلة التي كُبّلت ذات ظهيرة إلى عمود مظلة السيارات. كل عام، أخرج في هذا اليوم لأعاقب نفسي باتباع غواية الوجوه، ولأقف وجهاً لوجه أمام تلك الطفلة.
تُذكرني "مَطرح" بحوش بيتنا القديم وكأنها تتعمد إيذائي، الرطوبة خانقة في أغلب شهور العام، تحشو رئتيك بالماء الساخن والشمس، شمسها لا تكتفي بإسقاط ضوئها عليك، بل تطعنك به، ومع كل درجة تشتد فيها الحرارة، يتجسد أمامي طيف أبي، لم يكن يصرخ في وجهي، لم يكن يسهب في الشرح، كان يمارس صمته كقانون إلهي لا يرد، يسحبني من يدي الصغيرة، يقيدني إلى عمود المظلة الحديدي، ويدير وجهي لأتلقى صفعات الشمس كاملة.
كنت أسمع هدير المكيّف يتسرب من داخل البيت، أتخيل أمي تضاحك أختيّ، وأخي يلمّع حذاءه الرياضي بعناية، أرى أبي مسترخياً، يقلب قنوات التلفاز بملل بين الجزيرة والعربية، يلعن بوش ثم يثني على صدام، بينما أنا، في الخارج، مربوطة إلى حديدٍ حامٍ كأنه قُدّ من سعير جهنم، أنا في مواجهة كونية مع الشمس، فمن أين لي أن أنتصر؟ ومع ذلك لم ينكفئ أبي عن زجي في هذه المعركة الخاسرة، حتى سيارته اللكزس البيضاء الناصعة، فخر أيامه وكأنه نحتها من عظم صدره، كان يجنّبها المواجهة، يركنها في الظل الوارف كحيوان أليف يلعق يد صاحبه وينام آمناً. أما أنا لم تشملني رحمته.
الآن، كلما ركنتُ سيارتي في مواقف البناية التي أقطنها في مسقط، تقع عيناي على شعار السيارة ذاته، الماركة ذاتها، وحتى اللون الذي كان يملكه أبي، أبتسم بمرارة، فقد ألِفتُ التعذيب حتى تخدرت متعتي به، كأن العالم أتمّ دورته ليعيدني إلى النقطة ذاتها، بتبادل شكلي للأدوار، المفتاح اليوم في يدي، نعم، لكن حبل المظلة لا يزال معقوداً في أعماقي، أدركت متأخرة أن الحرية، في أسوأ تجلياتها، ليست سوى حبل يخنقك بعقد أقل.
حين طرقت البعثة الدراسية بابي، انتفض البيت بالرفض. "البنات لا يسافرن بلا محرم" أفتى عمي. "الغربة مستنقع يفسد الأخلاق" حسمت خالتي. أما أبي، فكان يلوذ بصمته المعتاد، ينقر بأصابعه على الطاولة ببطء، كتوقيع أولي على قرار لم ينطق به بعد، كانت أختي الكبرى قد ذرفت بحارا من الدموع قبلي بعام لتسافر، ورُفضت. حين جاء دوري أوقف نقر أصابعه وقال : "لتذهب". لم أفهم حينها سر هذا التنازل المجاني، لكنني التقطت نظرة أمي إليه، نظرة ثقيلة، محملة باعتراف مؤجل وعار صامت.
في صباح السفر، كان سكون البيت مريبا، حقيبتي جاهزة عند الباب، وجواز سفري يترقبني على الطاولة. اقتربت من أمي، أبحث في ملامحها عن زاد من حنان يقيني برد الغربة، جلست بجوارها وهي تقطع تفاحة بيدين هادئتين، بوجه محايد تماما، كسماء شتائية ممسوحة من الغيوم، ظننتها ستنهار باكية، ستغرقني بنصائح عن الصلاة والحذر من الغرباء، لكنها ابتلعت كل ذلك، أنهت تقطيع التفاحة، وشرعت في تقشير برتقالة، التهمنا الفاكهة بصمت، قبل أن ترفع عينيها إليّ، وبصوت خافت وكأنها تسرّب حقيقة عابرة، قالت: "قبل أن تسافري… يجب أن تعرفي" تصلب الهواء في صدري، وتوقفت عقارب الساعة، أكملت، دون أن يرتجف لها جفن: "أنتِ ابنتي، لكنكِ لستِ ابنته"
ألقت جملتها كما تُلقى مجاملة باهتة في زحام حديث جانبي، لم تبكِ، لم يرتعش صوتها، اكتفت بترك قطرات عصير البرتقال تسقط من أصابعها قبل أن تنهض لتغسلها بالماء، وتمضي نحو المطبخ كطالب أنجز واجبه المدرسي ولا يعنيه التقييم، تسمرتُ في مكاني، أقف على حافة ذلك الباب الذي طالما تمنيت أن أدخله هرباً من شمس أبي، وأنا التي كنت أشرع أبواب البيت لنفسي بيقين الورثة الأسياد، صوت الماء المنهمر على الصحون، وصوت "أبي" في الغرفة المجاورة يتأكد من حجوزات الطيران، عالمان يتحركان بانتظام، بينما سمائي أنا تسقط، لا على الأرض، بل على رأسي وحدي.
كنت طفلة بوجه قمري مدور، تكسوه سمرة خفيفة في بيت يعبد البياض ويحرسه كميراث مقدس، لطالما تضاحكت أخواتي وبنات خالتي: "تخيلي لو اكتشفنا أنك أختنا من الرضاعة!". كنت أشاركهم الضحك بينما أحشو شقوق قلبي بالملح، وأنام على أمل خفي أن شمس الظهيرة في الغد ستغسل لوني يوما ما، ليصبح بياضا يليق بعراقة اسم أبي وجدي، في تلك اللحظة بالذات، أدركت أن الشمس كانت تغسلني فعلاً، لكن بكي الجلد ونفخ الرماد، وصوت أمي يتردد في الخلفية: "الآن تفهمين".
حملت حقيبتي بخطوات آلية نحو سيارة "أبي" الكبيرة، لم أعد متأكدة من شيء سوى ضخامة السيارة، أما هو فلم أعد أعرف من يكون، أبي؟ ربما، وددت لو أن أمي التهمت لسانها قبل أن تنطق، هي لم تداوني بهذا البوح، لم تسد لي معروفاً، بل شقّت في روحي صدعاً يفوق عمق الجرح الذي كنت أستعد للهروب منه بالطائرة، كانت سياط الشمس أرحم، لا أعرف حقيقة أبي لكي لألعنه، ولا أعرف نفسي لأبكيها.
جلست في المقعد الخلفي، "أبي" يمسك بالمقود وأخي بجانبه، النافذة مواربة، والريح تصفع وجهي ببطء، كان الطريق إلى مطار مسقط يبدو أطول من سنوات عمري مجتمعة، راقبت الشوارع والأشجار تتسرب خلف الزجاج، وأدركت بحياد تام أنني لست مسافرة إلى الغربة، بل إلى اللامكان، إلى أنا التي لا تملك أحداً ولا تملك نفسها، هذه الرحلة ليست انعتاقاً؛ إنها هروب من عار لم أقترفه، عار مدفون فتح بلا تمهيد كحقيبة ملغمة لا تفتح إلا لتنفجر.
في الغربة، حاولت أن أتهجى الحب، لا كحبكة روائية، بل كحاسة سادسة أختبر بها جدوى وجودي، قرأت عنه مجلدات، ولمحته يتراقص في عيون الرفاق في ممرات الجامعة، لكنه ظل دائماً حدثاً يخص الآخرين، كنت أشاركهم الضحك، أنصت لاعترافاتهم الهشة عن الحنين، وأنتظر سذاجة أن يزورني هذا الحنين، لكنه استعصى عليّ، تعلمت لغات الأرض، وتفوقت في كل قاعات الدرس، لكن لغة الجسد حين يرتجف طوعا أمام الحنان، بقيت طلاسم لا أفهمها، كان الحب يمر بي كما تمر حافلات النقل العام؛ تقف للحظة، تشرع أبوابها، تنتظر أن أرفع قدمي لأصعد، ثم تمضي بدوني، وكأنها تدرك سلفا أنني فقدت تذكرة العبور.
عدت إلى مسقط أحمل أوراقي وأحلاماً مجهضة، اتخذت من الكتابة درعاً، صرت أكتب عن الجسد والذاكرة والحرية بشراهة، موهمة نفسي أن رصف الكلمات قادر على ترميم ما هدمته الأيام، لمع اسمي، تناسلت النصوص، وتزاحمت الدعوات، وأصبحت الكاتبة التي يتهامس بها رفاق القلم وعصبة الورق. للمرة الأولى حين وقفت أمام المرآة شعرت بجمال ملامحي، لم يتبدل في وجهي شيء، فقط زاوية الضوء هي التي تغيرت.
أوهمتني الكتابة أن الثقافة قادرة على حقن الجمال في أوردة من حرموا منه، وأن بريق الذكاء يطغى على سواد الكحل، بدأت أتنفس بثقة مستعارة، بينما كانت رئتاي في العمق تحترقان بسعير الخوف القديم، كنت أنظر للجسد كمحراب مقدس في مقالاتي، وفي داخلي، كنت أرجمه كشيطان لابد من قتله، كرهت أنوثتي لأنها مرآة لأمي، واحتقرت ضعفي لأنه الميراث الوحيد منها، كلما توهمت أنني أمتلك القوة لتجاوز ماضٍ لم أصنعه، امتدت يد "أبي" لتقيدني من جديد إلى ذلك العمود.
تزوجت في لحظة توهمت فيها اكتمال النضج، لكنه لم يكن سوى إرهاق متكلس في هيئة قرار، اخترت رجلاً يشبه كلماتي ويناقض إحساسي؛ كاتباً مثقفاً، يغوص في نظريات الفلسفة ويعجز عن ملامسة حرارة الواقع، في أيامنا الأولى، قربت صدري إليه، همست له بارتباك: "لهما رائحة لم يعرفها غيرك.. شمّها". نظر إليّ من وراء نظارته، ووسط كل ذلك الشبق الذي كان يفترس أنوثتي كان لايزال يرتدي نظارته التي لا يحتاج إلى لمنظرها ليكمل صورته الكاملة، أسقط جملة باردة: "نحن كاتبان يا عزيزتي، المثقفون لا يمتلكون ترف الغيرة.. الغيرة غريزة حيوانية متنحية".
كنت أستجديه أن يغار، أن يرتعد خوفاً من فقداني كما يرتعد كاتب على مسودة نادرة، أن يرفع صوته ولو لمرة واحدة ليثبت ملكيته لي، لكن صمته كان جداراً من جليد صقيل، أرى فيه خيبتي ولا أملك صلابة لكسره، عاش معي كما يعيش ناقد متعالٍ مع كتاب ممل؛ يضع إشارات على هوامشه ثم يتركه منسياً على الطاولة.
بلا رجفة مترددة ولا خوف رادع خنته، لم يكن دافعي الرغبة، بل التجربة المجردة، أردت أن أقفز خارج نفسي لأراقبها، أن أختبر قدرتي على استفزاز الغضب البشري في عينيه، على حفر أثرٍ ما في جدار جليده، عدت إلى البيت أسبح في بركة من عرق الخيانة الساخن، أنتظر أن يشم رائحة الخطيئة، أن يثور كبركان، أن يصفعني، يلعنني، أو يطردني للشارع، لكنه لم يفعل. وقفت أمامه وصارحته بخيانتي بصوت جهور فجّ، نظر إليّ بسكون بحيرة ميتة في قاع كهف، وكأنه يسألني عن موعد انتهاء اشتراك الجريدة، قال: "هل انتهيتِ؟".
هاتان الكلمتان أشعلتا في رأسي كل حرائق الماضي دفعة واحدة: خيانة أمي حين فتحت ساقيها خارج فراش الزوجية، خيانة أبي حين ابتلع العار واختار عقابي وترك أمي بلا عقاب، خيانة الشمس حين تواطأت ضدي، وخيانة هذا الرجل الذي استكثر عليّ حتى غضبه، كم تمنيت لو عاملني كقطعة ورق صفراء يغار عليها، لكنه تعامل معي كفكرة عابرة في رأسه، لا كامرأة تحترق في سريره.
أكتب عن الجسد كمسكن للروح، وأعامله في الواقع كجثة مجهولة تنتظر الغُسل، لقد رسموا لي مسار الخطيئة كقدر لا يقبل التوبة.. ليكن، لكن هذه المرة ستكون الخطيئة بقراري أنا، وبثمني الذي أحدده، أردت استعادة مقود حياتي، ولو بالانحراف به نحو الهاوية، خنت كل المبادئ التي صرخت بها في كتبي، خنت كلماتي، لكن هذا السقوط الحر هو ما منحني الجرأة للنظر في عيني بالمرآة.
اللحظة التي مد فيها ذلك الرجل الغريب يده بحزمة الريالات التي اشترطتها ثمناً لجسدي، كانت لحظة تطهيري الحقيقية. "لا أريد تحويلاً بنكياً، سلمني المبلغ كاملاً بأوراق نقدية من فئة الريال الواحد". لم تكن صفقة تجارية، ولا إشباعاً لشهوة؛ كان اعترافاً مادياً بحقيقتي، لم أنظر في وجهه، بل تسمرت عيناي على يدي المرتجفة وهي تقبض على المال، كأنها تطوي صفحات كتاب سيرة حياتي، هذا المستنقع الذي اخترت الغوص فيه، رغم ثقله ومناقضته لكل ادعاءاتي، كان حقيقياً وصادقاً بطريقة لا تُحتمل، وجدت أخيراً شيئاً لم يغلفه أحد لي بالشعارات، لم يبرره أحد باسمه أو شرفه، للمرة الأولى، أطبق على رقبة نفسي بكامل إرادتي؛ ليس كروح، بل ككائن بشري يمتلك رفاهية اختيار طريقة سقوطه.
لم تهني تلك الأوراق النقدية بل صفعتني بالحقيقة التي طالما ركضت هرباً منها: كنت طوال عمري ضحية مجانية بلا ثمن، أما الآن، فقد أصبحت شيئا يشترىتلك الأوراق النقدية وللمفارقة العجيبة هذا التسليع هو ما منحني أول إحساس حقيقي بالوجود، الوجود المبتذل والمشوه، أهون ألف مرة من العدم النقي، كنت ألهث خلف اليقين، ووجدته راقداً في قاع الهوان.
لكن التعب خبيث، لا يحتاج لعمر طويل ليتمدد في الأوصال، لم تدم نشوة السقوط طويلاً؛ بعد أشهر من التنقل فوق صدور رجال لا أكلف نفسي عناء حفظ أسمائهم، مع زوج يدرك تماماً أن صدري يعرف رائحته غيره يصر ببرود على رفض طلاقي، صرت أستيقظ وخواء الغرفة يطبق على أنفاسي. شقة ضيقة تغص بكتب الفلسفة، علب البيرة الفارغة، والصحون المتراكمة، لتؤكد لي أن القذارة ذاتها تفقد معناها حين تصبح روتيناً، أكتب في الصباح وكأنني أدون وصية لشمس تحتضر، وحين يحل المساء أرثيها بقصيدة. أعيش كأسطورة سيزيف العبثية، أدحرج صخرة الجسد إلى قمة الجبل، وأنا على يقين من سقوطها لأعيد الكرة.
جلست على الأرض الباردة عارية، في ليلة ثقيلة، عدت إلى شقتي أجرّ أذيال القرف من نفسي، جسد مستهلك مع زميل في الجريدة، ظل يطاردني شهراً كاملاً متغزلا بعمق كتاباتي، وحين انطوى علينا السرير وسمح له بالصدق، اعترف بوقاحة أن انحناءة مؤخرتي هي كل ما كان يغريه في الأمر، فتحت علبة بيرة، وبدأت أحدث نفسي بصوت مسموع كالمجنونة. في تلك اللحظة، تجاوزت مرحلة البكاء؛ شعرت برغبة عارمة في الصمت المطلق، ليس الموت الصاخب، بل الغياب السلس. الغياب التام الذي لا يُبقي ظلاً على الأرض، ولا اسما في هوية، ولا سطرا منسيا في كتاب، الغياب الذي يمحو من الوجود زوجاً يعرف بخيانتي، ولا يزال يداعب رجولته بخيالاته عن ماء الرجال الغرباء فوق بطني.
أواصل المشي اليوم في أزقة سوق مطرح المزدحم، أبحث عن مقال مقترح أو قصة عابرة، أنا كبقية هؤلاء البشر، مجرد قصة هامشية ربما سيكتبها كاتب آخر لكن ليس لي طاقة للحديث عني واسترجاع كل هذا التعب وكتابته، أقدامي تعرف تفاصيل هذا السوق أكثر من ذاكرتي، ذاكرتي الملعونة تقودني في مسارات قديمة وكأن الماضي حدث بالأمس فقط، احاول الهروب منها كي تضيع خطاي ولا أصل، في عمق عقلي ثمة فكرة لا تقبل النطق، كأنها موعد مؤجل مع المجهول، تتربص بي بصبر قاتل، أنا لا أخافها، ولا أفتح ذراعي للترحيب بها؛ أنا فقط أعرف يقيناً أنها قادمة.