→ → العودة للمقالات
قصص · March 21, 2026 · غيث
خطوبة

خطوبة

عدتُ هذه المرة قبل موعدي، فثمة خاطب سيطرق بابنا غداً. لا جديد يثير الدهشة هنا، كل شيء باقٍ كما كان قبل عشر سنوات، أشعر أن الزمن يمرق من خلالي وحدي، بينما تقف هذه القرية ثابتة، كصورة فوتوغرافية قديمة عصية على التعديل، لا يمنحها الزمن شيئاً سوى المزيد من بهوت الألوان، الاستثناء الوحيد كان تلك البيوت التي نبتت فجأة كعشبٍ طفيلي يتبع المطر، بيوت تنسخ بعضها بعضاً في القبح، والرتابة، والوظيفية الصرفة، وكأنها بُنيت على عجل لتكون مأوى مؤقتاً، لا يتطلب الأمر جهداً لوصفها، فماذا عساي أن أكتب عن مكعبات إسمنتية ملساء، تحتاج إلى سنين طويلة ليلتصق بجدرانها الباردة قليلٌ من الدفء والذكريات؟

في طفولتي، كنت أبني مع إخوتي وأبناء عمومتي بيوتاً من أشرطة المسجل، كان لعمي الأصغر المهووس بالفن حينها ثروة منها تكفي لنبني جميعاً بيوتاً من طابقين، وما إن ننتهي من رصّ الأشرطة حتى نبدأ بتبادل الوصف لمنازلنا الخيالية، ألوان الحوائط، الشرفات الخشبية، السجاد، وحتى عدد عتبات الباب الخارجي، كانت تلك الجلسات أشبه بمباريات تفاخر، نتبارى فيها حول أيّنا يمتلك معرفة أوسع بالعالم خارج حدود القرية.

"الحوش كبير وواسع، نصفه حديقة بها نخيل خلاص وبرني وهلالي، وربما أزرع بيذامتين على مدخل البيت، أما النصف الآخر فملعب طائرة"، هكذا كان أخي الأوسط محمد يصف بيته المستقبلي، كان يزيد التفاصيل أو ينقصها لكن زراعة النخيل كانت رغبته الثابتة التي لا تتزعزع، كان حريّاً بمحمد أن يأخذ مكاني ويولد قبلي، ليتولى هو أعباء الأخ الأكبر دون أن يضطر لتبرير أفعاله لأمي أو لعمومتي، لم أرغب يوماً في مسؤوليات الأخ الأكبر وكنت أتنصل منها كلما سنحت لي الفرصة، أما محمد فقد كان متعجلاً ليكبر ويصبح نسخة من أبي، وما إن كبر حتى بدأ يتصرف مثله، بل ويقلد حتى مشيته ونبرة صوته. فقدت أمي طفلاً يصغرني فأسمت من جاء بعده عوضاً، لكن أبي كان قد أقسم في المسجد أن طفله القادم سيُسمى محمداً، فنشأ أخي باسمين: محمد للحكومة وأبي، وعوض في قلب أمي وحنانها.

ما فاتنا أنا ومحمد وبقية أبناء العمومة هو أن الزمن يعدو بلا هوادة، اختفت أشرطة عمي، لا بفعل الزمن فحسب، بل بفعل موجة التحريم العاتية التي اجتاحت قريتنا، فبعد أن كان الرقص والغناء بهجة كل احتفال تحول مغني الحارة وطبالها إلى إمام المسجد، يتوعد كل أذن يلامسها نغم بالحديد والصديد، لم يعنني كل ذلك الحرام فلم أكن أعي حينها أي عتهٍ يجب أن يصيب رجلاً جامعياً ذكياً كعمي ليقتنع بأن صوت عبدالكريم عبدالقادر إثم مبين.

لم ألتفت كثيراً آنذاك لأخي وهو يسرق أشرطة أغاني أبو بكر سالم خفية ليبادلها مع أستاذ التربية الإسلامية بأشرطة أناشيد ومحاضرات، لم تكن هذه المعلومة ذات شأن حتى تشاجرنا أنا وهو يوماً، كنت أعبر عامي الحادي والعشرين، وهو يصغرني بثلاث سنوات.

ونحن نتأرجح بين مراهقة متأخرة ورجولة مبكرة، صرخت في وجهه بجملة لا أعلم كيف تبلورت في عقلي: "لحيتك وتدينك بُنيا على أشرطة مسروقة، لحيتك لحية لص"، كنا كوعلين يشحذان قرونهما بالتناطح، قد تبدو الجملة عابرة، لكن أن يُعاير مراهقٌ بلحيته التي أطلقها إرضاءً لشيخه، هو أمر قد يدفعه للعراك وربما لحلاقتها تماماً، ما آلم محمد يومها لم يكن شتيمتي، بل حقيقة أنني لم أنطق سوى بالصدق.

كان محمد يفعل كل ما أستميت للهروب منه، فالهروب من القرية كان أحب أحلامي، عندما اخترت تخصصي الجامعي كان معيار البُعد عن القرية هو العامل الأهم، أما هو فكان معلقاً بهذا المكان كنخلة لا تُقتلع، يقاوم أي حركة قد تبعده عن مستقره، قبل سنوات وجد عملاً بشهادته الثانوية في شركة لأحد عمومتنا، براتب لا يوازي طموح شاب، لكن بالنسبة له كان أكثر من مناسب، أي عمل يضطره للمبيت خارج القرية هو عمل مرفوض، وأي عمل لا يمنحه مرونة لحضور محاضرات الشيوخ في القرى المجاورة، أو يمنعه من ري مزرعته في الثالثة فجراً هو عمل لا يستحقه.

بعد سنة، تشاركنا أنا وهو وابن عم لنا في افتتاح سوبر ماركت ليديره محمد، كانت الفكرة فكرته؛ فقد لاحظ، بصفته الرجل المقيم في القرية، أن دكان الهندي لم يعد يفي بالغرض. كان دكان القرية ملكاً لعامل هندي استوطن المكان لدرجة أنه صار يلعب الحواليس ويحضر الجنائز، رغم أنه هندوسي يحتفظ بتمثال لبراهما في درج طاولته.

لم نترك وسيلة للاحتيال على هذا الرجل في طفولتنا إلا واستخدمناها، كنا نعطيه الدوائر المعدنية المقصوصة من علب الكهرباء على أنها عملات معدنية، نختار الوقت الذي ينهمك فيه بالحديث مع العجائز، ليرمي القرص في الدرج دون تدقيق، بعد سنوات عرفت أنه كان يعلم بخدعتنا، ويعلم أيضاً عن أعواد الآيس كريم التي كنا نكتب عليها "ربحت آيس كريم مجاني" بقلم ذهبي اللون، ويعلم عن جيوبنا المنتفخة بملصقات بسكويت نبيل لنربح قميص منتخب إيطاليا، كان يعلم لكنه كان يعتبر نفسه عماً آخر من عمومتنا، وكان تغاضيه عن سرقاتنا الصغيرة طريقته الخاصة في تدليلنا. وحين افتتحنا السوبر ماركت، أغلق دكانه بعد أشهر قليلة، ورحل دون أن يعاتب أحداً منا، كما لم يعاتبنا يوماً على الدوائر المعدنية في درجه.

لم تمضِ ستة أشهر على افتتاح السوبر ماركت، حتى تزوج محمد وهو في الثالثة والعشرين، تقدم لخطبة ابنة عمنا التي رفضته كما هو متوقع، فقد كانت طموحة وتبكي لأجل إكمال تعليمها كممرضة، لم يكترث محمد للرفض، فهو يريد الزواج من ابنة عم وكفى، تقدم لابنة عمنا الأخرى بعد يومين، وحظي بالقبول، دون أن يشعر بالغضب من الرفض الأول، أو الحرج من الخطبة الثانية.

"بيتي عبارة عن غرفة واحدة كبيرة، أغرقها بالضوء عبر نوافذ تمتد من الأرض للسقف، أريد أن أرى الشمس من كل مكان"، كنت أنا القائل في طفولتي، ولكن عندما كبرت، تضاءلت أحلامي لتصبح شقة صغيرة في منطقة "الخوض"، يفنى الكثير من أعمارنا لنحول بيوت الأشرطة إلى بيوت حقيقية، وفي الطريق، تتساقط تفاصيل منازل أحلامنا لندرك في النهاية أننا لم نبنِ منزل العمر، بل جسّدنا كيف تموت الرغبة أمام سطوة تجار العقارات في مسقط.

شقتي الحالية بلا نوافذ كبيرة، وفي الحقيقة، صرت أكره المصابيح البيضاء التي تشعرني بالغرق، استبدلت بالستائر القديمة أخرى معتمة لا تنفذ الضوء، واكتفيت بمصباح خافت أصفر، قد يبدو هذا كئيباً لكنه يمنحني شعوراً بأن هذا المكان هو مكاني، كأنه عضو في جسدي، ترتيب الأثاث هنا حتمي كحتمية وجود القلب في يسار الصدر، وأي محاولة لتغيير هذا الترتيب تشعرني بأن حياتي تنهار.

حياتي محصورة بين شقتي ومقر عملي في الوزارة وبعض الزيارات للسينما، ومع تطبيقات التسوق، تقلصت مشاويري أكثر، باستثناء عودتي الإلزامية لقريتي مرة كل شهر. تتبدل الأشياء في قريتي ولا يتبدل شيء؛ أعود إليها لأجد أن كل ما كان يشعرني بالأصالة قد استُبدل بشيء عملي ومسخ، أين رائحة الخبز الصباحي؟ إذا كنت سأشتريه مكيساً من سوبر ماركت محمد هل يتبقى له معنى؟ وما معنى آلة الحراثة التي تعمل بالديزل في قرية منزوية خارج التاريخ؟

يخيل إليّ أحياناً أن القرية ليست مكاناً، بل فكرة يُجبر سكانها على حراستها، ليس لهم حيوات، بل هم جنود مسخرون لإبقاء القرية كما كانت قبل ألف عام، يعيشون على خليط من مسلمات بالية وموروثات معقدة، يتقاتلون على ميلان نخلة، ويتشاجرون على مياه الفلج، ثم يتهادون صناديق الطماطم في الشتاء لا حباً وكرامة بل تخلصاً من الفائض.

أكره العودة، لكنني أجاهد لأحافظ على روتين الزيارة الشهري لأجل أمي، ولأجل منزلنا المختبئ بين النخيل، لست متأكداً إن كنت أحب مسقط أيضاً، أشعر أنني في رحلة أبدية بين اللامكان واللامكان، وموطني الوحيد هو مقعد سيارتي.

في طفولتي، كان أبي يعمل في العاصمة، أذكر افتتان القرية بالجسور المعلقة هناك، لدرجة أن النساء كنّ يغنين للأسفلت والجسور في أعراس القرية المنسية في أعماق المنطقة الشرقية! ماذا سيفعل عروسان بالأسفلت في ليلتهما الموعودة؟ هذا العبث هو قريتي.

الطريق بين القرية ومسقط ليس مجرد شارع، كنت في صغري أخشى أن يغضب أبي في منتصف الطريق ويعيدنا للقرية، ولا أطمئن إلا عندما نتجاوز منحنًى معيناً بعد قرية الجرداء، حتى اليوم وبسيارتي الخاصة لا أشعر أنني متوجه إلى مسقط إلا بعد أن أعبر ذلك المنحنى، وكأنه حافة العالم.

اتصلت بي أمي يوم أمس وأمرتني بالعودة لأن خطيباً من خارج العائلة سيتقدم لأختي غداً، وهو أمر لم يحدث في بيتنا منذ تزوج أبي أمي، أملت عليّ قائمة بمشتريات الضيافة، فواكه، حلوى، وقهوة من دكان محدد في فنجا، كأنها لا تأتمن القرية على ضيافة غريب، عندما اقترحت أن محمداً قد يوفرها من محله تجاهلتني تماماً، كان عليّ التنفيذ بصفتي الأخ الأكبر منذ رحل أبي، وكان عليّ دعوة عمومتي لاستقبال الخاطبين، رغم أنني واثق من أنها فعلت ذلك سلفاً.

أمضت أمي أربعين عاماً في القرية، وما زالت غريبة، الزواج من خارج العائلة كان شذوذاً في قريتنا التي تفضل تكرار جيناتها على حساب العقل، غير مكترثة بنسب الجنون أو الإعاقة طالما أن الدم أصيل، في قريتي العنصرية لا تُوجه لشخصك بل لأصل عائلتك، ويُتوقع منك أن تتقبل هذا الهراء بصدر رحب.

أمي، رغم بشريتها وعاديتها، مميزة، جاءت من قرية بعيدة، واحتاجت لعقدين من الزمن لتتعلم نطق حرف الراء كما ينطقه أهل قريتنا لتندمج معهم، هي حلقة الوصل الوحيدة التي تربطني بهذا المكان، تخبرني عن غزو الشياه لحقل الذرة، وعن أحاديث خالاتي، لكنها لا تتحدث عن نفسها أبداً.

أوقفت سيارتي بجانب حقل الذرة، رأيت السور الإسمنتي الذي شرعوا في بنائه حوله، عدوى الأسوار والجدران تجتاح القرية كطاعون أخرس، يشيدون جدراناً وأبواباً مقفلة حول مزارع لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار، وكأنهم يقفلون على ذكرياتنا، يقفلون على سطل التمر الصغير الذي كنا نحمله مرتين كل يوم، لنلتقط به ما تساقط من عمرنا. غداً سيطرق غريبٌ بابنا، كما طرق أبي قبل أربعين عاماً باب أمي في قريتها البعيدة، ولا أعرف إن كانت القرية ستفتح له، أم ستبني حول أختي سوراً آخر.

March 21, 2026

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً