حين يأتي أبي.. لن أذهب لشراء الغليون
أنا الوحيد الذي يجرؤ على نعت جدي بالأحمق، أقولها في سرّي وعلانيتي، ولا يرفّ لي جفن.
لطالما أرسلني لشراء التبغ لغليونه، وحين كنت أتذمر مهدداً إياه بأنني سأخبر أبي بكل شيء حين يعود من السفر، كان ينفث الدخان ببرود ويقول: "ربما أموت قبل أن يعود أبوك.. الآن اذهب كالريح، سأحسب لك الثواني".
لم أكن أعرف متى سيعود أبي، وهو في نظري أحمق آخر كجدي؛ رجل لم أره قط، لا يربطني به سوى جواز سفر يؤكد أنه أبي، وأمّ تؤكد كل يوم أنني نسخة مطابقة منه.
قالت لي أمي: "حين يعود أبوك سيجدك رجلاً يحترمه الجميع"، ثم أتبعت جملتها بدمعتين مسحتهما قبل أن تسقطا، وأكملت: "أريدك طبيباً أو مهندساً كابن جارتنا سليمة". لم تكن تريدني شيئاً من أجل أبي، كانت تريد أن تحسدها سليمة.
لم أصبح أياً من الاثنين. كنت ألعن الرياضيات، وأختبئ في حصة النصوص.
في شبابه سافر جدي بحراً مرة واحدة، وعاد بشعر طويل وثوب خليجي مسدل، وسجّل له تاريخ القرية أنه أول من دخّن الغليون جهراً في طرقاتها. قالت له جدتي في شجار قبل موتها: "لم تأتِ لنا من سفرك بغير هذا الغليون ومكعب سكر أحمر.. كل من سافروا عادوا بالمال إلا أنت". فصرخ في وجهها: "وماذا أفعل؟ كنت لا أنام إلا بعد جهد جهيد في إرضاء العمّات، ولم تبقَ لي طاقة لإرضاء أحد!"، ثم غمزني: "حين تسافر يا ولدي، ستجد الكثيرين من عمومتك متناثرين هناك".
وهو الذي ألحّ على أبي ودفعه دفعاً إلى الكويت قبل الغزو بأشهر، لينحت من صخر الغربة مالاً يعوّض به ما لم يأتِ به هو. سافر أبي، ووقع الغزو، وانقطعت أخباره. وبعد الحرب، حين انهارت آمال الجميع في عودته، شدّت أمي عليها حتى صارت يقيناً لا تقبل فيه نقاشاً.
حين كنت في الرابعة عشرة حزم جدي حقيبته وسافر إلى مسقط. غاب أسبوعاً لا نعرف أين، فظننّاه يطوف بين الوزارات والسفارات بحثاً عن أبي. عاد ولم يقل شيئاً، كل ما تغيّر أن في معصمه ساعة إلكترونية جديدة.
صارت الساعة سوط عذابي. بها يضبط ذهابي إلى الدكان وعودتي منه، وحين كبرت ولم يعد يقدر على ضربي قسّم مصروفي ثلاثة أجزاء، يخصم جزءاً عن كل تأخير، ولو ثانية واحدة.
عمي مسلّم هو الرجل الوحيد في القرية الذي ما زال يقرأ الجريدة بدل أن يأكل عليها. كان جدي يمقته ويقول إن الجرائد أفسدت عقله، وكنت أرى فيه النافذة الوحيدة المفتوحة على العالم.
في ذلك اليوم أخذت علبة التبغ من دكانه وابتعدت خطوتين، ثم استدرت وسألته سؤالاً تخمّر في صدري طويلاً: "عمي مسلّم.. أنت الوحيد الذي يكرهه جدي، والوحيد الذي لا يسألني متى يعود أبي. لماذا؟"
ظننته لم يسمع. ولّاني ظهره وراح ينبش في ركن الجرائد القديمة المكدسة، وبعد دهر من الصمت والغبار سحب جريدة صفراء ورماها أمامي: "الصفحة الرابعة.. ولا تخبر جدك".
في زاوية صغيرة من الصفحة الرابعة خبر مقتضب: "الكويت تشيّع تسعة من الأسرى الشهداء.. والتعرف على رفات أسير عماني مدني عبر فحص الحمض النووي". نظرت إلى التاريخ في أعلى الصفحة، ثم أغمضت عينيّ. كان ذلك الصيف صيف الساعة.
"أهذا أبي؟"
"هو. مات في الأسر، وبقي سنوات في مقبرة لا أسماء فيها، حتى دلّتهم عليه عظامه". ثم أضاف دون أن يرفع عينيه عن الجرائد: "قرأت الخبر لجدك بنفسي. لم يقل شيئاً. في اليوم التالي جاءني وقال: إن نطقتَ به أحرقتُ دكانك".
خرجت من الدكان والعلبة في يدي. خططت طوال الطريق كيف سأرمي الحقيقة في وجهه، كيف سأنتزع الساعة من معصمه وأكسرها على الأرض، وكيف سأصرخ: "لقد مات.. توقف عن التمثيل!"
دفعت باب البيت بقوة.
في الحوش كانت أمي تسكب القهوة، وعلى الصينية فنجان ثالث مقلوب، كما تقلبه كل يوم منذ لا أذكر. وجدي يمضغ تمرته وعينه على الساعة. اقتربت، فرأيت حزامها يتسع على معصم صار أنحل مما أذكر، ورأيت إبهامه يرتجف فوق الزر، ينتظر أن يوقف العدّ.
رفع عينيه إليّ وقال: "تأخرت سبع ثوانٍ".
جلست بجواره، وضعت العلبة في يده، وتناولت تمرة. أخرجت نواتها، وقبل أن أضعها في فمي قلت بنبرتي المعتادة: "حين يأتي أبي.. لن أذهب لشراء الغليون".