→ → العودة للمقالات
قصص · March 21, 2026 · غيث
حين يأتي أبي.. لن أذهب لشراء الغليون

حين يأتي أبي.. لن أذهب لشراء الغليون

أنا أنا الوحيد الذي يجرؤ على نعت جدي بالأحمق، أقولها في سرّي وعلانيتي، ولا يرفّ لي جفن.

لطالما أرسلني لشراء التبغ لغليونه، وحين كنت أتذمر مهدداً إياه بسذاجة طفلٍ بأنني سأخبر أبي بكل شيء حين يعود من السفر، كان ينفث الدخان ببرود ويقول: "ربما أموت قبل أن يعود أبوك.. الآن اذهب كالريح، سأحسب لك الثواني على ساعتي".

لم أكن أدري متى سيعود أبي، وهو كجدي أحمق آخر في نظري، رجلٌ لم أبصره ولا يربطني به سوى تأكيد الحكومة في جواز سفري انه أبي، وتأكيد أمي الدائم أني نسخةٌ مطابقة له.

قالت لي أمي: "حين يعود أبوك سيجدك رجلاً.. عليك أن تكون رجلاً يحترمه الجميع ليفخر بك"، ثم أتبعت أمنيتها بدمعتين جافتين وأكملت: "أريدك أن تصبح طبيباً أو مهندساً كابن جارتنا سليمة"، بالطبع لم تكن أمي تريدني أن أكون أي شيءٍ من أجل أبي، بل كان جلّ ما تتمناه أن تحسدها الجارة بسببي.

لم أصبح أياً من الاثنين، كنت من طائفة لاعني العلوم والرياضيات، أجد خلاصي في حصة الأدب والنصوص، لو كانوا يعلمون فقط ما تفعله النصوص في رأس صبي يقتات على وهم العودة.

في شبابه سافر جدي بحراً ذات مرة، وعاد بشعر طويل وثوب خليجي مسدل، ولكي يكتمل صورة غروره سجل له تاريخ القرية أنه أول من دخّن الغليون جهراً في طرقاتها.

قالت له جدتي في شجارٍ قبل أن تموت: "لم تأتِ لنا من سفرك بغير هذا الغليون ومكعب سكر أحمر.. كل من سافروا عادوا بالمال، إلا أنت"، بكل حمق الدنيا صرخ في وجهها: "وماذا أفعل؟ لم أكن أنام إلا بعد جهد جهيد لإرضاء العمّات، حتى لم تبقَ لي طاقة لإرضاء أحد آخر!" ثم غمزني "عندما تسافر يا ولدي، ستجد الكثيرين من عمومتك متناثرين هناك".

لقد ألحّ جدي على أبي ودفعه دفعاً للسفر إلى الكويت قبل الغزو بأشهر قليلة، لينحت من صخر الغربة مالاً يعوض به فشله، سافر أبي ثم وقع الغزو، وانقطعت أخباره تماماً.

بعد الحرب، انهارت آمال أمي في عودته، فتطوّقت بوهم عودته حتى اصبح الوهم حقيقة بينة لا خلاف فيها، أما جدي حزم حقيبته وسافر إلى مسقط، غاب أسبوعاً لا نعلم فيه أين كان، اعتقدنا انه يحج بين الوزارات ويسعى بين السفارات يبحث عن أبي لعله يجده، عاد ولم يقل شيء، كل ما تغير أنه عاد وفي معصمه ساعة إلكترونية جديدة.

الساعة لم تكن مجرد أداة لمعرفة الوقت، بل تحولت إلى سوط عذابي، وأداة جدي للسيطرة على ما تبقى من عمره، استخدمها بصرامة لضبط توقيت ذهابي وعودتي لشراء غليونه، وحين كبرت ولم يعد قادراً على ضربي استبدل الضرب بالعقوبات المالية، قسّم مصروفي لثلاثة أجزاء، وكلما تأخرت ثانية عن توقيت ساعته اللعينة، خصم جزءاً.

عمي مسلّم هو الرجل الوحيد في القرية الذي لا يزال يقرأ الجريدة بدلاً من أن يأكل عليها، كان جدي يمقته ويصفه بأن الجرائد أفسدت عقله، بينما كنت أرى فيه الرجل الوحيد الذي يشرع نافذةً على حقيقة العالم.

في ذلك اليوم، أخذت الغليون من دكانه وابتعدت خطوتين، ثم استدرت وسألته سؤالاً ظل يختمر في صدري طويلاً: عمي مسلّم.. أنت الوحيد الذي يكرهه جدي، والرجل الوحيد الذي لا يسألني قط عن موعد عودة أبي.. لماذا؟

ظننته لم يسمعني، فقد ولى ظهره وراح ينبش في ركن الجرائد القديمة المكدسة، بعد دهر من الصمت والغبار، سحب جريدة قديمة تعود لعام 2004، رماها أمامي وقال بصوت خالٍ من أي عاطفة: "افتح الصفحة الرابعة.. ولا تخبر جدك."

في زاوية صغيرة من الصفحة الرابعة، قرأت خبراً مقتضباً: "الكويت تشيّع تسعة من الأسرى الشهداء.. والتعرف على رفات أسير عماني مدني عبر فحص الحمض النووي."

تسمرت عيناي. رفعتهما نحو عمي مسلّم وأنا أرجوه بصمت أن ينفي ما يصرخ به عقلي.

"أهذا أبي؟"، قال: "نعم، هو. اعتقلوه خلال الغزو، ومات في الأسر. أمضى سنوات كرفات مجهول الهوية في مقبرة جماعية، حتى قادت الفحوصات المخبرية إليه."

عمي مسلّم أكمل: "جدك عرف بالأمر حين أُعلن الاسم، قرأت له الخبر بنفسي، توقعت أن ينهار، أن يصرخ، لكنه تسمر في مكانه وكأن صاعقة أفرغت روحه من جسده. جدك لم يحتمل فكرة الموت يا ولدي.. قلبه الهش لم يتسع لتقبل أن ابنه الوحيد تحول إلى حفنة عظام، لقد فضل أن يكذب الجرائد، ويكذبني، ويكذب الحكومة، وهو يعلم في قرارة نفسه أنهم صادقون، على أن يقف في عزاء ولده أنكر الخبر، هددني بحرق دكاني إن نطقت بكلمة، واختار طوعاً أن يعيش في كذبة الانتظار، لأن التصديق كان سيقتله في اللحظة ذاتها."

خرجت من الدكان أحمل الغليون في يدي، وأحمل في رأسي جثة أبٍ أمضت أربعة عشر عاماً تحت التراب، وحقيقة جدٍ هرب من فجيعته إلى الجنون الإرادي. خططت طوال الطريق كيف سأرمي الحقيقة في وجهه، كيف سأكسر ساعته اللعينة التي يحسب بها وقتاً لن يجيء، وكيف سأصرخ: "لقد مات.. توقف عن التمثيل!".

دفعت باب البيت بقوة، والغضب يفور في دمي.

في الحوش، كانت أمي تسكب القهوة بهدوء، وجدي يمضغ تمرته وعينه على ساعته الإلكترونية ينتظرني، نظرت إليه.. نظرت طويلاً، لم أرَ الرجل المتسلط المغرور، بل رأيت كهلاً محطماً، يختبئ خلف دخان الغليون والساعة ليمنع عقله من الانهيار.

انقشع الغضب ليحل محله إدراك مرعب: أمي تتنفس عبر وهم الانتظار، وجدي يحرس ما تبقى من نبضه بوهم الإنكار، والساعة تعلن بقاءهم جميعاً على قيد الكذبة لو نطقت الآن لانهار هذا البيت فوق رؤوسنا، ولَمات جدي.

لا أريد من الدنيا شيئاً، سوى أن تبقى حماقة جدي تحرسنا من الفجيعة، وأن يبقى قلب أمي يتسع لانتظار وهمي، وأن يبقى غياب أبي هو الشيء الوحيد الذي يميزني، الكذبة هي سقف هذا البيت، والحقيقة هي المعول الذي سيهدمه.

تقدمت بخطوات هادئة وجلست بجوار جدي، وضعت الغليون في يده، وتناولت تمرة. أخرجت نواتها، وقبل أن أضعها في فمي نظرت في عينيه المترقبتين وقلت بنبرة معتادة: "حين يأتي أبي.. لن أذهب لشراء الغليون."

آخر تحديث March 23, 2026

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

أضف تعليقاً